الانتخابات الرئاسية الفرنسية 2027: الطريق إلى الإليزيه تحت مجهر التدخلات الأجنبية

قبل أشهر من الانتخابات الرئاسية الفرنسية لعام 2027، لم يعد الحديث عن التدخل الأجنبي مجرد فرضية أمنية مرتبطة بتجربة انتخابات 2017 أو بالحرب الروسية على أوكرانيا، وباتت أجهزة الدولة الفرنسية توثق عمليات تضليل وتأثير مصدرها الخارج، وبعضها استهدف بالفعل شخصيات موجودة في السباق الرئاسي، بعد أن كشفت الانتخابات البلدية في مارس/آذار 2026 عن شبكات أخرى مرتبطة بجهات إسرائيلية غير حكومية، بالتزامن مع اكتشاف منظومة دعائية مرتبطة بالإعلام الرسمي الصيني.

منذ الانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 2017، لم يسلم أي استحقاق انتخابي أو استفتاء وطني كبير في فرنسا من محاولات للتلاعب بالمعلومات شارك فيها فاعلون أجانب وفق "هيئة فيجينوم"
منذ الانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 2017، لم يسلم أي استحقاق انتخابي أو استفتاء وطني كبير في فرنسا من محاولات للتلاعب بالمعلومات شارك فيها فاعلون أجانب وفق "هيئة فيجينوم" © تشات جي بي تي
إعلان

وتبدو الصورة أكثر تعقيدا من القول إن روسيا أو الصين أو إسرائيل أو الولايات المتحدة "تتدخل في الانتخابات الفرنسية"، حيث تختلف درجة الأدلة جذريا من حالة إلى أخرى.

وتبدو روسيا الحالة الأكثر وضوحا من حيث العمليات المنسقة التي استهدفت مرشحين فرنسيين، وفي الحالة الصينية توجد أدلة قوية على شبكة تأثير ودعاية مرتبطة مباشرة بإعلام الدولة، من دون دليل مماثل حتى الآن على عملية صينية تستهدف نتيجة رئاسيات 2027 تحديدا، أما عملية "روخ سوليس" التي استهدفت الانتخابات البلدية فقد قادت التحقيقات إلى بيئة من شركات التأثير الإسرائيلية الخاصة، لكن من دون تحديد صاحب الأمر النهائي أو إثبات ضلوع الدولة الإسرائيلية، وفي الحالة الأميركية، يدور النقاش أساسا حول نفوذ المنصات والمليارديرات والتدخل العلني في النقاش السياسي، وخصوصا إيلون ماسك، وليس حول عملية سرية أميركية حكومية مثبتة.

هذه الفروق ضرورية لفهم طبيعة التهديد، فالتدخل لا يعني بالضرورة اختراق صناديق الاقتراع أو تزوير الأصوات، وقد لا يكون الهدف حتى ضمان فوز مرشح بعينه، فالحرب المعلوماتية الحديثة تبدأ قبل وصول الناخب إلى الصندوق، برسالة، أو فيديو مزيف، أو خبر منسوب إلى صحيفة معروفة، أو آلاف التعليقات في رأي باتجاه واحد، أو حسابات تبدو فرنسية، أو قضية مصطنعة تتحول تدريجيا إلى موضوع للنقاش العام.

والسؤال الذي تواجهه فرنسا اليوم ليس فقط من يريد التأثير في الانتخابات، وإنما كيف يمكن التمييز بين محاولة حقيقية للتدخل، وعملية محدودة الفاعلية، وخطاب سياسي قد يستخدم بدوره خطر التدخل الأجنبي أداة انتخابية.

روسيا.. التدخل الأكثر تنظيما واستهدافا للانتخابات

الحالة الروسية هي الأكثر توثيقا، وتقول الهيئة الفرنسية الحكومية المكلفة باليقظة والحماية من التدخلات الرقمية الأجنبية "فيجينوم" (VIGINUM)، إنه منذ الانتخابات الرئاسية لعام 2017 لم يخلُ أي استحقاق انتخابي أو استفتاء وطني فرنسي كبير من محاولات للتلاعب بالمعلومات شارك فيها فاعلون أجانب، وخلال الانتخابات البلدية في مارس/آذار 2026 وحدها، رصدت الهيئة أربع عمليات تدخل رقمي أجنبي.

ومع اقتراب رئاسيات 2027، انتقلت العمليات إلى مرشحين أو شخصيات رئيسية في السباق، ففي 24 يوليو/تموز استُهدف إدوار فيليب، مرشح حزب "آفاق"، بعملية تضليل نسبت إلى شبكة  "Storm-1516"  الموالية لروسيا، تناولت وضعه الصحي.

وبعد ذلك تعرض رافاييل غلوكسمان لعملية تضليل استخدمت موقعا يقلد الهوية البصرية لوسيلة الإعلام الفرنسية "Blast"، ونشرت قصة ملفقة تزعم أن شريكته، الصحافية ليا سلاميه، حاولت رشوة وسائل إعلام من أجل دعم ترشحه.

وفي 4 أغسطس/آب جاء دور غابريال أتال، استخدمت الحملة تقارير ومقاطع فيديو وواجهات مزيفة تنتحل الهوية البصرية لعدد من أبرز وسائل الإعلام الفرنسية، بينها RFI وFrance 24 وBFM-TV ووكالة فرانس برس و"لوباريزيان" و"ليبراسيون" و"لوموند"، ونسبت VIGINUM العملية "بدرجة ثقة مرتفعة" إلى شبكة "Matriochka" الموالية لروسيا.

والأسلوب في هذه الحالات مهم بقدر أهمية المحتوى، فالمعلومة لا تظهر دائما باعتبارها دعاية روسية، وإنما في صورة مادة تبدو صحفية وفرنسية، وقد تدخل الحسابات الوهمية بعد ذلك لإعادة نشرها، ثم محاولة دفع الصحافيين والمؤسسات ومواقع التحقق إلى الرد عليها، وهنا يمكن للعملية أن تنجح حتى إذا لم يصدق الجمهور الرواية الأصلية إذ يكفي أن تتحول إلى موضوع سياسي وإعلامي.

وهذه ليست ظاهرة فرنسية منفصلة، ويشير تحقيق لـ"لوموند" نشر في أغسطس/آب 2026 رصد مخاوف مماثلة في ألمانيا والسويد والنرويج والدنمارك ودول البلطيق، مع استخدام مزيج من الهجمات السيبرانية والأخبار الكاذبة والتزييف العميق والحسابات الوهمية وعمليات ميدانية.

وتنظر حكومات أوروبية إلى ذلك باعتباره امتدادا للحرب الهجينة التي تخوضها موسكو ضد الدول الداعمة لأوكرانيا، حيث لا تقتصر المواجهة على الجبهة العسكرية.

ورغم أن هذه التدخلات حقيقية إلا أن هناك حقيقة أخرى مهمة تقول إنه لا يوجد حتى الآن دليل يثبت أن هذه العمليات الروسية غيّرت نتيجة انتخابات وطنية فرنسية، بحيث وجود التدخل شيء، ونجاحه شيء آخر.

الصين.. "مصنع سرديات آلي يعمل بالذكاء الاصطناعي"

في الحالة الصينية، كشفت VIGINUM في يونيو/حزيران 2026 شبكة أطلقت عليها اسم "Fawn Mianju"، تتكون من 13 موقعا إخباريا زائفا متعدد اللغات مرتبطاً بشبكة CGTN التلفزيونية الحكومية الصينية، وكانت شركة Graphika قد رصدت في مرحلة سابقة 11 موقعا و16 حسابا على شبكات اجتماعية مختلفة ضمن هذه البيئة.

ومن بين المواقع موقع "Actu Méridien" الناطق بالفرنسية، ونشرت الشبكة موادا تعرض التقارب مع المصالح الصينية باعتباره خيارا مفيدا لفرنسا، وتمكنت التحقيقات الفرنسية من إقامة صلات تقنية مباشرة بين الشبكة وCGTN وهي وسيلة إعلام حكومية تابعة للنظام الصيني، وتم اكتشاف أن مدير الشبكة موظف يشغل منصبا إداريا في CGTN Digital والأكثر أهمية أن التحقيق كشف اهتمامه بتقنيات نماذج اللغة الكبيرة وامتلاكه وسيلة لربط المواقع مباشرة بأدوات ذكاء اصطناعي لإنتاج المحتوى بصورة شبه آلية.

وتكشف الأرقام حجم الأتمتة، فمن أصل 2975  مقالا نشرتها CGTN منذ نهاية 2025، ظهر2307 منها بصياغة معدلة على شبكة "فاون ميانجو"، وكان متوسط الزمن بين المادة الأصلية ونسختها الجديدة أقل من ساعة، وروج المحتوى للتفوق الصيني في الذكاء الاصطناعي والطيران والتحول البيئي، ولقيادة الصين "الجنوب العالمي"، وللتقارب الفرنسي مع المصالح الصينية.

ومع ذلك، انتهت العملية إلى نتيجة تكاد تلخص مشكلة التدخلات الرقمية كلها بقوة تقنية كبيرة وتأثير جماهيري ضعيف، فرغم حملات تستهدف 89 دولة، خصوصا أفريقيا الفرنكوفونية، لم تتجاوز المشاهدات 15 ألفا، واعتبرت "فيجينوم" العملية فشلا عملياتيا.

هذه عملية تأثير صينية حقيقية وموثقة، لكنها لا تساوي دليلا على أن بكين أطلقت عملية خاصة لتغيير نتيجة الانتخابات الرئاسية الفرنسية لعام 2027، ورغم وجود استراتيجية لنشر السردية الصينية والتأثير في الرأي العام، لكن الأدلة المنشورة لا تسمح حتى الآن بوضع الصين في المستوى نفسه مع روسيا من حيث استهداف مرشحي الرئاسة الفرنسية لعام 2027.

الولايات المتحدة.. "لا تدخل سري".. لكن "تأثير سياسي علني"

أما الولايات المتحدة، فلا تتوافر حتى الآن أدلة علنية مماثلة تثبت وجود عملية سرية للدولة الأميركية تستهدف الانتخابات الرئاسية الفرنسية، لكن الجدل موجود، وكذلك الاتهامات، ويتعلق الأمر خصوصا بالنفوذ الذي يمكن أن يمارسه مالكو المنصات الأميركية الرقمية الكبرى، فقد اعتبرت زعيمة الخضر مارين توندولييه أن خوارزمية منصة "إكس"، المملوكة لإيلون ماسك، تمثل تدخلا أكثر "بنيوية" في الحياة الديمقراطية الفرنسية بسبب تأثيرها اليومي في تداول المعلومات، ورد ماسك عليها علنا مطالبا بإسكاتها، ما أثار بدوره جدلا حول حدود تأثير ملياردير أجنبي في النقاش السياسي الفرنسي.

وهذا كل ما ذكرته "الهيئة الفرنسية المكلفة بمكافحة التدخلات الرقمية الأجنبية" للتدخل الرقمي الأجنبي في تقريرها حول أي تدخل رقمي محتمل للولايات المتحدة، ولكن تجدر الإشارة إلى تعريف "التدخل الرقمي الأجنبي" فهاليئة لا تعتبر كل تصريح صادر عن مسؤول أجنبي أو كل دعم سياسي لتيار فرنسي "تدخلا رقميا"، ويقوم تعريفها خصوصا على وجود محتوى مضلل أو غير صحيح بصورة واضحة، وسلوك منسق ومتعمد للتضخيم الاصطناعي أو الآلي، لذلك فإن أي تصريح علني للرئيس الأمريكي دونالد ترامب أو نائبه حي دي فانس، حتى إذا كان شديد التأثير في السياسة الأوروبية، يقع مبدئيا في فئة مختلفة عن شبكة حسابات وهمية أو مواقع مزيفة تعمل سرا.

ومع ذلك فالهيئة المكلفة بحماية النقاش العام نفسها تقول إن إحدى الاتجاهات الجديدة للتهديد المعلوماتي تتمثل في استغلال موضوعات سياسية قوية، ومنها تحديدا حرية التعبير، بواسطة فاعلين أجانب من أجل زيادة الاستقطاب داخل النقاش العام الفرنسي، وهذه نقطة مثيرة للاهتمام عند مقارنتها بخطاب فانس وترامب تجاه أوروبا، وإن كانت الهيئة لا تنسب هذا الخطاب إليهما في تقريرها لحماية النقاش العام.

لذلك يمكن القول بأن عدم وجود عملية تدخل رقمي أميركية سرية يترافق مع مستوى آخر من التأثير الأميركي العلني، يتمثل في مواقف ترامب وفانس تجاه القوى القومية واليمينية الأوروبية، وهذا يجعل الحالة الأميركية مختلفة في طبيعتها، لا غائبة بالضرورة عن معركة التأثير، إذ تبدو أقرب إلى تأثير سياسي وأيديولوجي علني منها إلى عملية تضليل سرية مثبتة، وهي تشمل تصريحات مسؤولين أميركيين، وصلات متنامية بين حركة "ماغا" واليمين الأوروبي.

وخطاب فانس الشهير في مؤتمر ميونيخ للأمن في فبراير/شباط 2025، على سبيل المثال، لم يكن عملية سرية؛ بل كان موقفا سياسيا أميركيا معلنا هاجم فيه طريقة تعامل الأوروبيين مع حرية التعبير والهجرة، وانتقد إلغاء الانتخابات الرئاسية الرومانية، والتقى خلال المؤتمر أليس فايدل، زعيمة حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني المتطرف عشية الانتخابات التشريعية الألمانية، لذلك يمكن مناقشته باعتباره ضغطا أو تأثيرا سياسيا أميركيا مباشرا في المجال الأوروبي، والنقطة نفسها تنطبق على ترامب ودعمه السياسي للقوى القومية الأوروبية.

ولقد دعمت إدارة ترامب خلال استحقاقات انتخابية أوروبية قوى يمينية متطرفة أو قومية في ألمانيا ورومانيا وبولندا وتشيكيا، وابعد من ذلك تحدثت استراتيجية الأمن القومي الأميركية عن أهمية دعم ما تصفه بـ "الأحزاب الأوروبية الوطنية".

إسرائيل.. "روخ سوليس" وسوق "شركات خاصة" تبيع التأثير

الخيط الإسرائيلي، أكثر تعقيدا، لأن التحقيقات الفرنسية تثبت وجود روابط إسرائيلية قوية على مستوى المنفذين والبنية التقنية، لكنها لا تثبت أن إسرائيل كدولة تقف وراء العملية، وهذا التمييز ضروري.

وفي مارس/آذار 2026 كشفت VIGINUM عملية أطلقت عليها اسم Rokh Solis، استهدفت حزب فرنسا الأبية وعددا من مرشحيه خلال الانتخابات البلدية، واستخدمت العملية مواقع إلكترونية وصفحات وحسابات غير أصيلة على TikTok وInstagram وX وFacebook، وركزت على تشويه LFI وبعض مرشحيه.

الأكثر إثارة كان إنشاء مواجهة مصطنعة بين طرفين متناقضين، حركة قومية كاثوليكية مزيفة، وجماعة إسلامية متطرفة مزيفة تحمل اسم "فرسان العزة"، وهو اسم تنظيم حقيقي حلته السلطات الفرنسية عام 2012، والهدف، بحسب  VIGINUM، كان استقطاب النقاش الفرنسي واستغلال قضية المسلمين والإسلام السياسي.

قاد التحقيق التقني إلى علامات إسرائيلية وإلى كيان خاص يدعى Blackcore  يعمل في مجال التأثير الرقمي، وإلى شبكة أوسع من الشركات والأدوات المرتبطة ببيئة الأمن السيبراني والتسويق الرقمي الإسرائيلية، لكن لا بد هنا من التوقف عند الحد الذي وصلت إليه الأدلة حيث لم تحدد VIGINUM هوية العميل الذي طلب العملية، بينما توصلت "لوموند" إلى أن شركات ومقاولين فرعيين آخرين غير حكوميين ربما شاركوا فيها، لذلك لا يوجد أساس لإسناد "روخ سوليس" إلى الحكومة الإسرائيلية.

الذكاء الاصطناعي.. آلاف الحسابات ومحتوى يصنع في دقائق

ما تغير في السنوات الأخيرة ليس وجود الدعاية السياسية، وإنما تكلفتها وسرعتها وحجمها، ويسمح الذكاء الاصطناعي اليوم بإنتاج صورة شخصية مقنعة لحساب وهمي، ثم كتابة منشورات بالفرنسية، وإدارة عشرات الشخصيات الرقمية، وترجمة الرسائل فورا إلى لغات متعددة، وصناعة فيديو أو تسجيل صوتي مزيف، وإعادة صياغة مقال صحفي، ثم نشر كل ذلك في وقت متزامن على منصات مختلفة.

عملية "Fawn Mianju" الصينية تقدم نموذجا واضحا، فقد رصدت التحقيقات مؤشرات على استخدام نماذج لغوية كبيرة لإعادة صياغة محتويات CGTN ونشرها بسرعة، وبين 2975 مقالا نشرتها CGTN  خلال الفترة التي درسها المحققون، أعادت الشبكة نشر 2307 منها بعد إعادة صياغتها، وكان الفاصل بين المادة الأصلية ونسختها الجديدة لا يتجاوز في المتوسط نحو ساعة، بما يعزز فرضية الأتمتة.

وفي "روخ سوليس"، عثرت VIGINUM على شبكة من الحسابات غير الأصيلة تتحدث بلغات متعددة، وبعض صور ملفاتها الشخصية مولدة بالذكاء الاصطناعي، فيما بدت بعض التعليقات نفسها مولدة بواسطة نماذج لغوية، ووصلت التحقيقات إلى أدوات تقنية مصممة لإدارة "الأفاتارات" والبحث عن مجموعات Facebook المستهدفة وأتمتة التضخيم والإشاعات.

لكن القدرة التقنية لا تعني بالضرورة النجاح السياسي، فقد شددت VIGINUM على أن أصول "روخ سوليس" الرقمية لم تحقق سوى ظهور ضعيف جدا على الإنترنت رغم محاولات التضخيم المصطنع الكثيرة، كذلك كانت بعض العمليات الروسية التي استهدفت مرشحي الرئاسة محدودة الانتشار إلى درجة أن الهيئة الفرنسية نصحت المرشحين بعدم التحدث عنها علنا، خشية أن يؤدي الرد السياسي والإعلامي إلى منحها انتشارا أكبر مما حققته بنفسها.

وهذه مفارقة مركزية في حروب المعلومات إذ أن عملية التضليل التي قد تفشل بإقناع الجمهور، قد تنجح بسبب الضجة التي يثيرها كشفها.

اختيار الرئيس الفرنسي أم زرع الفوضى والشك؟

يبدو أن السؤال الأكثر صعوبة هو قياس النتيجة، أي كم ناخبا غيّر رأيه بسبب فيديو مزيف؟ وكم شخصا امتنع عن التصويت بسبب حملة تضليل؟ وهل يمكن إثبات أن منشورا شاهده مئات الآلاف تسبب في انتقال أصوات من مرشح إلى آخر؟

حتى الآن، لا توجد أدلة قطعية منشورة تسمح بالقول إن قوة أجنبية استطاعت بواسطة هذه العمليات تغيير نتيجة انتخابات رئاسية فرنسية، لكن اختزال النجاح في تغيير النتيجة النهائية قد يحجب جانبا أساسيا من طبيعة الحرب المعلوماتية.

يمكن أن يكون الهدف دعم مرشح أو إضعاف آخر، ويمكن أيضا أن يكون الهدف أقل مباشرة وهو إقناع الفرنسيين بأن الإعلام يكذب، وأن الانتخابات مزورة، وأن المؤسسات لا يمكن الوثوق بها، أو دفع اليمين واليسار والمسلمين والمهاجرين والتيارات القومية إلى النظر بعضهم إلى بعض باعتبارهم تهديدا.

"روخ سوليس" مثال واضح، فصناعة حركة كاثوليكية قومية مزيفة في مواجهة تنظيم إسلامي مزيف لا تبدو مصممة فقط لنقل بضعة آلاف من الأصوات، وإنما لإنتاج صراع داخل المجال العام الفرنسي نفسه، وتقول VIGINUM صراحة إن العملية سعت إلى استقطاب النقاش العام من خلال استغلال المجتمع المسلم، وإنها استُخدمت عمدا لمحاولة تغيير المعلومات المتاحة للمواطنين أثناء الاقتراع، ولذلك اعتبرتها تدخلا رقميا أجنبيا يمكن أن يمس المصالح الأساسية للأمة.

وتظهر الآلية نفسها في الاستراتيجية الروسية الأوسع في أوروبا، فالحساب الوهمي والخبر المزيف والهجوم السيبراني والتزييف العميق أدوات مختلفة لهدف جيوسياسي واحد محتمل وهو زيادة كلفة اتخاذ القرار الديمقراطي، وإضعاف التماسك الداخلي للدول المنافسة، خصوصا تلك التي تدعم أوكرانيا.

وعلى الهامش يعني ذلك أن المواجهة بين الدول أصبحت تخاض أيضا وراء شاشة الحاسوب، فالحرب الهجينة لا تحتاج إلى دبابة تعبر الحدود حتى تؤثر في مجتمع الخصم.

حقيقة أمنية أم ورقة انتخابية؟

الاعتراف بوجود تدخلات أجنبية لا يعني أن كل خطاب سياسي حولها محايد، فمع دخول فرنسا فعليا أجواء رئاسيات 2027، أصبحت قضية التدخل نفسها جزءا من المنافسة الانتخابية.

بعد استهدافه، قال غابريال أتال إنه يتوقع أن يواصل نظام الكرملين عمليات التدخل ضد "مرشحين مثلي"، وربط القضية بموقفه الداعم لأوكرانيا وهاجم التجمع الوطني بسبب علاقته التاريخية بروسيا، أما رافاييل غلوكسمان، المعروف بموقفه الحاد من موسكو، فاعتبر العملية التي استهدفته مجرد "مقدمة" لما سيأتي، محذرا من أن حملة 2027 ستشهد تدخلات واسعة.

في الجهة المقابلة، اتهم النائب عن التجمع الوطني جان فيليب تانغي أتال باستغلال القضية سياسيا، وقال إن التدخلات الروسية "يتم إفشالها بصورة منهجية" وإنها لا تتمتع بتأثير انتخابي وفق السلطات المختصة، قبل أن يشير إلى ما وصفه بالتدخلات الأميركية والصينية.

المفارقة أن VIGINUM نفسها أوصت المرشحين بعدم تضخيم بعض المواد الروسية بسبب ضعف انتشارها، ما فتح سؤالا مشروعا وهو هل إعلان أي سياسي أنه مستهدف من قوة أجنبية، دفاع عن نزاهة الديمقراطية أم محاولة للاستفادة أيضا من صورة المرشح الذي تخشاه موسكو؟

الإجابتان يمكن أن تكونا صحيحتين في الوقت ذاته فالتهديد الأمني حقيقي، وكذا التوظيف السياسي للتهديد، ولا يلغي أحدهما الآخر.

وينطبق الحذر نفسه على مسألة التمويل الخارجي، ففرنسا تعرف سوابق حقيقية؛ التجمع الوطني، عندما كان يحمل اسم الجبهة الوطنية، حصل سابقا على قرض من بنك روسي، كما لجأ في حملة مارين لوبان عام 2022 إلى بنك مجري، وقبيل انتخابات 2027 عاد النقاش الفرنسي حول ضرورة مراقبة مخاطر تمويل المرشحين بواسطة قوى أجنبية أو مصالح خاصة، وحول إنشاء آليات تمويل داخلية تقلل اعتماد الأحزاب على المقرضين الأجانب.

لكن التمويل الأجنبي، والتأييد السياسي العلني، والدعاية، والتدخل الرقمي السري ليست شيئا واحدا، ويبقى الفصل بينها ضروريا حتى لا تتحول عبارة "التدخل الأجنبي" إلى اتهام فضفاض يستخدم ضد أي خصم سياسي.

ما يمكن استخلاصه

ما يمكن إثباته حتى الآن بشكل دقيق هو أن  روسيا نفذت أو دعمت عمليات تضليل استهدفت شخصيات في السباق الرئاسي الفرنسي؛ بينما أدارت الصين منظومة تأثير مرتبطة بإعلام الدولة استهدفت الرأي العام في فرنسا ودول أخرى من دون دليل منشور حتى الآن على استهداف نتيجة رئاسيات 2027؛ أما شبكة "روخ سوليس" استوفت وفق VIGINUM معايير التدخل الرقمي الأجنبي وقادت خيوطها إلى شركات وفاعلين إسرائيليين خاصين وغير حكوميين من دون معرفة صاحب الأمر النهائي؛ أما في الحالة الأميركية فالمعطيات المتاحة تتعلق أساسا بالنفوذ السياسي والإعلامي والمنصاتي لفاعلين خاصين، وليس بعملية سرية للدولة الأميركية مثبتة ضد الانتخابات الفرنسية.

على هذا الأساس تستعد الدولة الفرنسية لرئاسيات 2027 لحماية العملية الديمقراطية، وأنشأت خلال الانتخابات البلدية "شبكة تنسيق وحماية الانتخابات" بمشاركة مؤسسات من بينها VIGINUM ووزارة الداخلية وArcom  والهيئة الوطنية لحسابات الحملات والتمويل السياسي، فيما تعمل الحكومة على ترسانة قانونية جديدة لمواجهة التدخلات الأجنبية.

وتدور المعركة الأساسية على حماية النقاش الفرنسي العام، وسلامة البيئة التي يتخذ فيها الناخب قراره قبل أن يصل إلى الصندوق، وهذه هي المسألة الأكثر حساسية قبل رئاسيات 2027، فالخطر ليس فقط محاولة طرف أجنبي في إقناع الفرنسيين بمرشح معين، وإنما أن ينجح في إقناعهم بأنهم لم يعودوا قادرين على معرفة من يتحدث إليهم، وما هو الحقيقي، وهل يمكن الوثوق بالانتخابات وبالمجال العام الذي يسبقها.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

ابق على اطلاع دائم بالأخبار الدولية أينما كنت. حمل تطبيق مونت كارلو الدولية

شارك :