وزير الخارجية الفرنسي لمونت كارلو الدولية: "صناعة السلام" منتدى في باريس يضع الشباب بقلب الدبلوماسية
تحت شعار "صناعة السلام"، تستضيف جامعة السوربون الجديدة في باريس يومي الرابع والخامس من سبتمبر/أيلول النسخة الثانية من "صناعة الدبلوماسية"، أكبر حدث جماهيري تنظمه وزارة أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسية، في مبادرة تهدف إلى إخراج الدبلوماسية من دوائرها التقليدية وتقريب السياسة الخارجية ومهنها من المواطنين، مع منح الشباب هذا العام دورا خاصا في التفكير في سبل بناء السلام والمصالحة، في عالم تتعدد فيه النزاعات وتتراجع فيه مساحات الحوار.
نشرت في: آخر تحديث:
ويجمع المنتدى دبلوماسيين وباحثين ومسؤولي منظمات دولية وغير حكومية، إلى جانب صحافيين وفنانين ورياضيين وطلاب ومواطنين، ضمن برنامج يضم أكثر من 140 فعالية وصيغة مختلفة، من طاولات مستديرة وورشات ولقاءات وتمارين ومحاكاة وألعاب تفاعلية، فضلا عن أجنحة تتيح للجمهور لقاء العاملين في الدبلوماسية والتعرف مباشرة إلى مهن الخارجية الفرنسية ومساراتها، وكانت النسخة الأولى عام 2025 قد استقطبت نحو 20 ألف زائر.
السلام يُصنع ولا يأتي من تلقاء نفسه
وتركز نسخة 2026 على سؤال "صناعة السلام"، ماذا يحدث قبل التوصل إلى اتفاق سلام، وكيف تستمر المصالحة بعد توقيعه، وما دور الوساطة والتعليم والثقافة والإعلام والمجتمع المدني في إبقاء الحوار قائما بين المجتمعات المنقسمة؟
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو لخص فلسفة المنتدى بالقول إن السلام "يُحضّر ولا يسقط من السماء"، وإنما يُبنى تدريجيا من خلال التعليم والثقافة والحوار والجمعيات وعمل الأشخاص الذين يحافظون على قنوات التواصل أثناء النزاعات.
ويستضيف المنتدى شخصيات ودبلوماسيين وفاعلين شاركوا في تجارب سلام ومصالحة من مناطق مختلفة من العالم، بينها كولومبيا والبوسنة وكمبوديا وفلسطين وجمهورية إفريقيا الوسطى والسودان ولبنان وأوكرانيا، بهدف مناقشة تجارب الوساطة والمصالحة والذاكرة وإعادة بناء الحوار.
وفي حديث إلى مونت كارلو الدولية، قال جان نويل بارو إن هذه النسخة تحمل ثلاث رسائل أساسية، أولها أنها تأتي في مرحلة "وصلت فيها الصراعات والنزاعات إلى مستوى كبير من التصعيد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية"، معتبرا أن بناء السلام يبدأ أولا "في الأذهان وفي السرديات المستخدمة".
وأضاف وزير الدبلوماسية الفرنسية لمونت كارلو الدولية أن الرسالة الثانية هي أن صناعة السلام مهمة الجميع، ولا تقتصر على الدبلوماسيين، وإنما تشمل أيضا المتخصصين والصحافيين وخصوصا المجتمع المدني، في تأكيد لفكرة أن السلام لا يُبنى فقط عبر المفاوضات الرسمية بين الدول.
145 شابا من 135 دولة.. جيل يريد المشاركة في بناء المستقبل
ويحتل الشباب مكانة محورية في النسخة الثانية، بالتعاون مع منظمة اليونسكو وبالتزامن مع الذكرى الثمانين لتأسيسها، فقد شارك 145 شابا وشابة يمثلون 135 دولة في عملية امتدت طوال الصيف للتفكير في كيفية مساهمة الأجيال الجديدة في بناء "ثقافة جديدة للسلام"، عبر التعليم والعلوم والثقافة والحوار، وفي مواجهة تحديات جديدة يطرحها عصر شبكات التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي.
وتُوج العمل بـ "نداء الشباب من أجل ثقافة جديدة للسلام في عقول النساء والرجال في القرن الحادي والعشرين"، وتتضمن المقترحات تعزيز مشاركة الشباب في عمليات السلام والمصالحة، وتشجيع الحوار في المدارس، والتفكير في إطار دولي يتعلق بالشباب والذكاء الاصطناعي، إضافة إلى مواجهة خطاب الكراهية والمحتويات العنيفة والمضللة على الإنترنت.
وهذه هي الرسالة الثالثة للمنتدى، وفق ما قاله بارو لـمونت كارلو الدولية، مؤكدا أن صناعة السلام هي أيضا قضية الشباب، وأوضح أن المبادرة مع اليونسكو جمعت هؤلاء الشباب من مختلف أنحاء العالم، الذين وجهوا نداء من أجل ثقافة جديدة للسلام، مضيفا أنهم "يرغبون في تحمل مسؤولياتهم، ولا يريدون أن يرثوا فقط ما صنعته الأجيال السابقة، ولديهم رغبة في بناء المستقبل بأنفسهم".
ويرتبط ذلك أيضا بما طرحه بارو بشأن أثر العالم الرقمي على النزاعات، إذ يرى وزير الخارجية الفرنسي أن تطرف الخطاب وانتشار خطاب الكراهية على شبكات التواصل الاجتماعي يمكن أن يعوقا عمليات الوساطة والمصالحة، ما يجعل إشراك الشباب في صناعة السلام جزءا من التعامل مع تحولات أوسع فرضتها التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي على المجتمعات والنزاعات.
الدبلوماسية الفرنسية تخرج إلى المواطنين
ولا يقتصر هدف المنتدى على مناقشة السلام، إذ تقوم "صناعة الدبلوماسية" أساسا على محاولة تقريب منظومة السياسة الخارجية الفرنسية من المواطنين، وحدد جان نويل بارو في حديثه لمونت كارلو الدولية ثلاثة أهداف للمبادرة، تغيير نظرة الفرنسيين إلى السياسة الخارجية، وإبراز موقع الاتحاد الأوروبي في الدبلوماسية الفرنسية، والاستفادة من خبرات مختلف الفاعلين المشاركين في العمل الدولي.
ولهذا لا يقتصر الحضور على الدبلوماسيين، وإنما تشارك مؤسسات دولية وجامعات وباحثون ومنظمات غير حكومية وشركات وفنانون ورياضيون وصحافيون وطلاب، بما يحول المنتدى إلى مساحة لقاء مباشرة بين العاملين في السياسة الخارجية والجمهور.
وتشارك فرانس ميديا موند ووكالة تطوير الإعلام سي إف آي في المنتدى أيضا، من خلال أنشطة ولقاءات موجهة خصوصا إلى الشباب حول مكافحة التضليل الإعلامي، وأهمية الإعلام الحر والمستقل، والذكاء الاصطناعي، وظروف عمل الصحافيين والمراسلين في مناطق الأزمات.
وبذلك تجمع النسخة الثانية من "صناعة الدبلوماسية" بين هدفين متداخلين: فتح الدبلوماسية الفرنسية أمام المواطنين، وتوسيع مفهوم صناعة السلام ليشمل المجتمع بأكمله، وهي فكرة لخصها بارو في حديثه لمونت كارلو الدولية قائلا: "إن السلام لا يبدأ فقط عند جلوس الدبلوماسيين إلى طاولة المفاوضات، وإنما يبدأ في الأذهان والسرديات، ويشارك في بنائه الدبلوماسيون والصحافيون والمجتمع المدني، والأهم، جيل جديد يريد أن يكون شريكا في صناعة مستقبله".
الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم
اشترك