كائن بلا دماغ .. يتعلم ويتذكر ويحير العلماء

هل يحتاج الكائن الحي إلى دماغ كي يتعلم؟ يبدو السؤال غريباً، لكن كائناً هلامياً صغيراً دفع العلماء إلى إعادة التفكير في بعض المسلّمات المتعلقة بالتعلم والذاكرة ومعالجة المعلومات.

لقطة مقربة تُظهر تفاصيل كائن "العفن الغروي" (Physarum polycephalum) في مدرسة "بليز باسكال" الثانوية في شاتورو بوسط فرنسا، في 3 يونيو 2022
لقطة مقربة تُظهر تفاصيل كائن "العفن الغروي" (Physarum polycephalum) في مدرسة "بليز باسكال" الثانوية في شاتورو بوسط فرنسا، في 3 يونيو 2022 AFP - GUILLAUME SOUVANT
إعلان

إنه Physarum polycephalum، المعروف باسم "العفن الغروي"، وهو كائن من الأميبوزوا يعيش في صورة خلية عملاقة متعددة الأنوية. لا يمتلك هذا الكائن دماغاً أو جهازاً عصبيا، ومع ذلك يستطيع استشعار بيئته، وتغيير سلوكه استجابةً لما يواجهه، بل والاحتفاظ بآثار من تجاربه السابقة.

كائن يعرف الطريق ويستطيع الانتشار

لفت هذا الكائن الأنظار بقوة عام 2000، عندما أظهر فريق بقيادة الباحث الياباني توشيوكي ناكاغاكي أن بإمكانه العثور على أقصر طريق داخل متاهة بين مصدرين للغذاء. لم يكن "يفكر" في الطريق كما يفعل الإنسان، لكنه أعاد تنظيم شبكة أنابيبه الداخلية، فقوّى المسارات الأكثر فاعلية وتراجع عن المسارات الأقل فائدة.

وتكرر الأمر في تجربة شهيرة أخرى، حين وضع الباحثون رقائق الشوفان في مواقع تحاكي مدناً حول طوكيو. كون "العفن" شبكة أنبوبية تشبه بدرجة لافتة شبكة السكك الحديدية في المنطقة، مع تحقيق توازن بين طول المسارات وكفاءتها وقدرتها على تحمل الأعطال. هذه النتيجة ألهمت لاحقاً أبحاثاً في تصميم الشبكات والخوارزميات المستوحاة من الطبيعة.

يتعود على الظروف المحيطة ويعدل في بنيته الذاتية

لكن المفاجأة لم تتوقف عند حل المتاهات. ففي تجربة نُشرت في مجلة Proceedings of the Royal Society B، عرّض الباحثون الكائن لمواد منفرة مثل الكافيين والكينين. في البداية كان يتجنب عبورها، لكن مع تكرار التعرض أصبح أكثر استعداداً لعبور الحواجز. وبعد فترة من التوقف، استعاد استجابته السابقة.

أطلق الباحثون على هذا النوع من التغير السلوكي اسم التعود، وهو أحد أبسط أشكال التعلم.

وتشير دراسات أخرى إلى أن ذاكرة "العفن الغروي" لا تحتاج إلى جهاز عصبي، فشبكته الداخلية تتغير باستمرار بحسب البيئة: الأنابيب التي تنقل الغذاء بكفاءة تصبح أقوى، بينما تتراجع الأنابيب الأقل فائدة. وقد تشكل هذه التغيرات أثرا فيزيولوجيا يسمح للكائن بتعديل سلوكه لاحقا. ويعتقد الباحثون أن تدفق السيتوبلازم والتذبذبات داخل الشبكة يلعبان دوراً أساسياً في هذه العملية.

"العفن الغروي" قدرة الربط بين الأحداث

والأكثر إثارة أن بعض التجارب أظهرت إمكانية نقل استجابة متعلَّمة عبر اندماج خليتين. ولا يعني ذلك انتقال "ذاكرة" بالمعنى الوراثي، بل يشير إلى إمكانية انتقال معلومات فيسيولوجية عبر الاندماج الخلوي.

وفي أحدث الأبحاث، ذهب العلماء خطوة أبعد. ففي دراسة نُشرت في حزيران/يونيو 2026، اختبر الباحثان فانيسا دومبروفسكي ويانيس فرايبيرغ ما إذا كان "العفن الغروي" يستطيع التعلم الترابطي، من خلال ربط منبهات ضوئية بمكافآت غذائية. ويهدف هذا النوع من التجارب إلى معرفة ما إذا كان الكائن يستطيع تجاوز مجرد التعود على منبه متكرر إلى ربط منبه معين بنتيجة محددة.

كما شهد عام 2026 أبحاثاً جديدة حول سلوك هذا الكائن المكاني، والآليات التي قد تكمن وراء الذاكرة والتكيف، بما في ذلك دراسة تبحث في إمكانية ارتباط أنماط حركته بما يشبه الذاكرة المكانية.

هل الدماغ هو السبيل الوحيد للتعلم؟

لكن العلماء يحذرون من القفز إلى استنتاج أن هذا الكائن "يفكر" أو "يتمتع بذكاء" شبيه بالإنسان. فمصطلحات مثل التعلم والذاكرة والإدراك تُستخدم لوصف سلوكيات قابلة للقياس، لا لإثبات وجود وعي أو تفكير داخلي.

ومع ذلك، فإن "العفن الغروي" يطرح سؤالاً أعمق: إذا كان كائن بلا دماغ أو خلايا عصبية يستطيع تعديل سلوكه والاستفادة من خبرته السابقة، فهل الدماغ هو الطريق الوحيد إلى التعلم؟ هذا السؤال، أكثر من قدرة هذا الكائن على حل المتاهات، هو ما يجعل هذا "العفن الغروي" موضوعاً مستمرا للبحث والجدل العلمي في 2026.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

ابق على اطلاع دائم بالأخبار الدولية أينما كنت. حمل تطبيق مونت كارلو الدولية

شارك :