"نازا" يهز مهرجان البندقية.. وثائقي كشف خبايا حرب غزة بلسان جنود إسرائيليين

فيلم لا يتحدث فيه ضحايا الحرب، بل الجنود وضباط الاستخبارات الذين شاركوا فيها بأنفسهم، يروون أمام الكاميرا كيف كانت تُتخذ قرارات القتل. هذا بالضبط ما يقدّمه الفيلم الوثائقي "نازا"، الذي عُرض للمرة الأولى هذا الأسبوع في مهرجان البندقية السينمائي الدولي، وأصبح حديث الأوساط الإعلامية والثقافية خلال أيام معدودة.

انفجار إثر غارة جوية إسرائيلية قرب مخيم يؤوي نازحين في دير البلح بوسط قطاع غزة في 25 مارس/آذار 2026.
انفجار إثر غارة جوية إسرائيلية قرب مخيم يؤوي نازحين في دير البلح بوسط قطاع غزة في 25 مارس/آذار 2026. AFP - EYAD BABA
إعلان

يجمع "نازا" شهادات 24 جنديا وضابط استخبارات إسرائيليين، تحدثوا عن الأنظمة التي استخدموها لمراقبة واستهداف وقتل فلسطينيين عن بُعد خلال الحرب على غزة. صُوّرت المقابلات ليلًا على أسطح منازل في تل أبيب، مع إخفاء ملامح المتحدثين وتغيير أصواتهم رقميًا لحماية هوياتهم.

اللافت أن ردود أفعال هؤلاء الشهود لم تكن متشابهة: بعضهم تحدّث بدافع الندم على ما فعله، بينما بدا آخرون غير مكترثين، وحتى فخورين بما قاموا به. هذا التناقض في المشاعر هو ما يمنح الفيلم جزءًا كبيرًا من قوته وصدمته.

من أين جاء اسم الوثائقي؟

كلمة "نازا" ليست عشوائية، هي اختصار عسكري يستخدمه الجيش الإسرائيلي للإشارة إلى عدد المدنيين المتوقع مقتلهم في غارة خلال عملية عسكرية من عبارة"Nezek Agavi"  بالعبرية، أي "الأضرار الجانبية".

اقرأ أيضاجندي واحد يقود سربا كاملا: "إلبيت" الإسرائيلية تكشف عن سلاح يختصر مئات المقاتلين في واحد

اختيار هذا الاسم عنوانًا للفيلم يحمل مفارقة قاسية: فما يكشفه العمل هو أن القتل لم يكن حادثا عرضيا، بل قرارات تُتخذ ضمن غرف العمليات.

ووصف ضباط المخابرات الذين ظهروا في الفيلم نظاما مدعوما بالذكاء الاصطناعي، يحدد الأهداف باستخدام البيانات التي يتم جمعها من آلاف الهواتف المحمولة المخترقة. وقالوا إن عبارة "أبي في المنزل" التي يتم التقاطها من هاتف طفل قد تكون كافية لشن غارة جوية.

وتحدث الضباط ​أيضا عن مقتل مدنيين في مناطق حددتها إسرائيل كمناطق آمنة، ومنها ما هو قريب من مراكز توزيع المساعدات، إلا أنه لم يتم تبليغ السكان بذلك. وقال أحد الضباط في الفيلم "عليهم أن يتعلموا بالدم".

من وراء الكاميرا؟

الفيلم من إخراج يوفال أبراهام وراشيل تسور، وهما مخرجان إسرائيليان سبق أن فازا بجائزة أوسكار لأفضل فيلم وثائقي عام 2025 عن عملهما السابق "لا أرض أخرى"، الذي تناول عنف المستوطنين الإسرائيليين ضد التجمعات الفلسطينية في الضفة الغربية. أما الإنتاج فتولّته صحيفة "الغارديان" البريطانية، بمشاركة السينمائي الفرنسي ماران كارميتز.

الصحفية والمخرجة الإسرائيلية راشيل تسور والصحفي وصانع الأفلام الإسرائيلي يوفال أبراهام قبيل عرض فيلم "نازا" ضمن فعاليات الدورة 83 لمهرجان البندقية السينمائي الدولي، في 10 سبتمبر 2026.
الصحفية والمخرجة الإسرائيلية راشيل تسور والصحفي وصانع الأفلام الإسرائيلي يوفال أبراهام قبيل عرض فيلم "نازا" ضمن فعاليات الدورة 83 لمهرجان البندقية السينمائي الدولي، في 10 سبتمبر 2026. AFP - TIZIANA FABI

واستند الفيلم إلى تحقيقات صحفية سابقة نشرتها "الغارديان" ومجلة "+972" الإسرائيلية-الفلسطينية وموقع "لوكال كول" العبري بين عامي 2023 و2025.

وقارن عدد من ضباط المخابرات الذين تمت مقابلتهم ما شاهدوه بأنماط تاريخية من تجريد الإنسان من إنسانيته، وناقشوا أوجه التشابه مع الدروس المستفادة من المحرقة النازية (الهولوكوست). وقال أبراهام "إنه ربط يأتي من الجنود" أنفسهم.

وأضاف "في ظل وضع تشاهد فيه، في كثير من الأحيان، كيف تُستخدم ذكرى المحرقة كوسيلة لتبرير تصرفات إسرائيل في غزة، من المهم جدا استخلاص نتائج أكثر عمومية".

من جهتها قالت تسور "أردنا أن نظهر كيف تمضي ​الحياة في تل أبيب"، مضيفة أن كثيرين من الإسرائيليين لا يشعرون بأي تعاطف تجاه المدنيين الفلسطينيين، و"هناك شريحة كبيرة من المجتمع الإسرائيلي تقول صراحة إنه لا يوجد أبرياء في غزة".

وعن الضباط الذين شاركوا شهاداتهم في الفيلم قالت "يصفون أنفسهم أحيانا بأنهم من اليسار. ⁠وربما يكونون ​هم أنفسهم المسؤولين عن معظم عمليات القتل".

لماذا كل هذا الاهتمام؟

وأكد نقاد وخبراء يتابعون مهرجان البندقية منذ سنوات أن مدة التصفيق التي نالها الفيلم تمثل "رقما قياسيا"، الأمر الذي تناولته الصحافة الإيطالية، التي شددت على أن "نازا" أصبح من أكثر الأفلام حصولا على تصفيق طويل في تاريخ المهرجان، متجاوزا فيلم "صوت هند رجب" الذي شهد عرضه العالمي الأول في البندقية العام الماضي، محققا أكثر من 24 دقيقة من التصفيق المتواصل.

هناك عدة أسباب تفسر الضجة الكبيرة حول الفيلم، بداية الجرأة غير المعتادة. مخرجان إسرائيليان يوجّهان الكاميرا نحو أبناء مجتمعهما للحديث عن تورطهم المباشر في القتل، وهو أمر نادر الحدوث في السينما الإسرائيلية.

ثم هناك السمعة التي راكمها المخرجان بعد فوزهما بالأوسكار عن فيلمهما السابق، إذ كانت الأنظار مسلّطة على أي عمل جديد يقدّمانه. كما أن "نازا" هو الفيلم الوثائقي الوحيد المتنافس على جائزة "الأسد الذهبي"، أرفع جوائز مهرجان البندقية، ما منحه حضورا إعلاميا كبيرا منذ عرضه الأول.

ثم هناك توقيت العرض، الذي يأتي في لحظة حساسة عالميا، حيث لا يزال الجدل قائمًا حول الحرب على غزة وتداعياتها الإنسانية والسياسية.

وبعد البندقية، سيعرض "نازا" في مهرجان سان سيباستيان السينمائي الدولي في 23 أيلول/سبتمبر في إسبانيا، ثم في مهرجان نيويورك السينمائي في 26 من الشهر نفسه. كما ستتولى شركة التوزيع الفرنسية "MK2 Films" حقوق المبيعات العالمية.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

ابق على اطلاع دائم بالأخبار الدولية أينما كنت. حمل تطبيق مونت كارلو الدولية

شارك :