هل يعني حديث حاكم مصرف لبنان لمونت كارلو أن ودائع اللبنانيين المسروقة ذهبت إلى غير رجعة؟

أدلى حاكم مصرف لبنان كريم سعيد بحديث للزميلة ميساء إسماعيل (مونت كارلو الدولية)، وتعلقت النقطة الرئيسية في هذا الحديث بالموضوع الذي يشغل كل اللبنانيين، ويتعلق بإعادة ودائعهم المسروقة، والتي كانوا قد أودعوها في مصارف لبنان المختلفة.

لقاء بين نواف سلام وجوزيف عون
لقاء بين نواف سلام وجوزيف عون AFP - -
إعلان

 

أثار الحديث اهتماما في لبنان، نظرا لما تضمنه من إشارات إلى إمكانية حل هذه الأزمة الخطيرة، وإعادة الودائع، حتى وإن اقتصر الأمر على صغار المودعين (100 ألف دولار أو أقل).

المسؤول عن إعادة الودائع

قال كريم سعيد حول الأطراف المسؤولة عن إعادة هذه الودائع إلى أصحابها

"الودائع في لبنان أصبحت في مكان مأزوم منذ ست سنوات. وبانتظار قانون سداد الودائع والانتظام المالي، لا يستطيع المصرف المركزي إلا سداد ما يتوفر له من سيولة" ... "لكن سداد الودائع بمجملها، إن لم أقل بأكملها، لن نتمكن من القيام به إلا عند إصدار قانون الانتظام المالي وسداد الودائع، لأن إمكانيات المصرف المركزي يجب أن تضاف إليها إمكانيات الدولة وإمكانيات المصارف التجارية.

الأزمة بطبيعتها أزمة نظامية، وبذلك تضافر الجهود يملي علينا أن تكون هنالك عدة جوانب لسداد هذه الودائع وعدة أطراف منها الدولة ومصرف لبنان والمصارف"

بالرغم من صحة الحجة القائلة بأن الدولة وسياساتها النقدية في العقود الماضية، تتحمل جزء من المسؤولية عن الأزمة، إلى جانب المصارف التجارية ومصرف لبنان، فما يبدو من حديث حاكم مصرف لبنان، الذي يشترط تحميل مسؤولية السداد لجهات متعددة (الدولة، مصرف لبنان والمصارف التجارية)، يصعب توافقها على الاعتراف بحجم المسؤوليات المختلفة في سرقة الودائع، وبالتالي يصعب تحديد نصيب كل منها في عملية السداد، وقد علق أحد المراقبين ساخرا "تفرق دم الودائع بين القبائل".

الجدول الزمني لإعادة ودائع صغار المودعين

كانت الحكومة اللبنانية قد التزمت بإعادة الودائع المسروقة لصغار المودعين (100 ألف دولار أو أقل) وفق جدول زمني على مدى أربع سنوات، ولكن عند سؤال حاكم مصرف لبنان عن هذا الجول الزمني، أجاب قائلا

"الحكومة اللبنانية وضعت مشروع قانون في نهاية عام 2015، تتطرق فيه إلى هذا الموضوع بالتحديد ... صغار المودعين ما دون ال 100 ألف أو حتى سقف ال 100 ألف دولار، وأعطت لنفسها جدولا زمنيا خلال أربع سنوات.

هل هذا الجدول الزمني منطقي؟ ممكن ... هل هو معقول ومطبق؟ يجب أن نقوم بدراسة معمقة للسيولة الموجودة، لأن الجدول الزمني مهم بحد نفسه، الأهم من الجدول الزمني هو أن نقوم بالتزاماتنا خلال هذا الجدول، فإذا وعدت الناس، سوف تدفع لهم ودائعهم في أربع سنوات وتخلفت في السنة الثالثة، فهذه كارثة، نحن نود أن نتجنبها.

لذلك نتأنى بدراسة إمكانيات النظام المالي عامة، الدولة ومصرف لبنان والمصارف، وعندها نحدد هذا السقف الزمني ... أربع سنوات ... معقول ... ولكن بحاجة إلى دراسة معمقة بعد"

الالتزام بجدول زمني من أربع سنوات، يحتاج للتأني ودراسة معمقة للسيولة المتوفرة، مما يعني أن الحكومة لم تقم بهذه الدراسة، وأن التأني والدراسة قد يستغرقا وقتا طويلا، ذلك إن كريم سعيد لم يحدد مهلة زمنية لمجرد دراسة إمكانية تنفيذ وعود الحكومة.

في الخلاصة، تبقى أزمة الودائع المسروقة، وفقا لهذا الحديث، بدون مسؤول واضح عن مرتكب أو مرتكبي السرقة، وعلاجها يحتاج لفترة زمنية غير محددة.

الودائع المسروقة رأس جبل الجليد

قد تحمل طريقة علاج أزمة الودائع المسروقة، أو غياب طريقة للعلاج، مؤشرات هامة على خلافات استراتيجية في قمة السلطة اللبنانية فيما يتعلق بالسياسات المالية والاقتصادية، ومن المرجح أنها خلافات مرتبطة بالصراع السياسي الدائر في هذا البلد

هناك بعض العناصر التي قد تلقي الضوء على هذه الخلافات

  • أثار تعيين كريم سعيد حاكما لمصرف لبنان، في مارس/آذار 2025، خلافا كبيرا وعلنيا بين رئاسة الدولة ورئاسة الحكومة في لبنان، وتمكن الرئيس جوزف عون من فرضه في هذا المنصب، بالرغم من معارضة رئيس الحكومة نواف سلام الشديدة، وبالرغم ما يتردد عن تحفظات فرنسية مرتبطة بطبيعة المرحلة للإصلاح الاقتصادي ومواجهة الفساد، وذهب الأمر حتى أن سلام قال، بعد انتهاء جلسة الحكومة التي أقرت التعيين، "المجلس قرر تعيين كريم سعيد حاكماً لمصرف لبنان ومن المعروف أنه لم يكن مرشحي لأسباب عدة في ظل حرصي على حماية حقوق المودعين وأصول الدولة وتحفظت مع عددٍ من الوزراء على تعيينه".
  • طعن رئيس الدولة اللبناني جوزف عوف في المادة الثالثة من قانون إعادة هيكلة المصارف، وهي المادة التي تحدد هدف القانون بوضع إطار قانوني يتفق مع المعايير الدولية، وجاء هذا الطعن الرئاسي بعد خلافات بين الحكومة وحاكم مصرف لبنان كريم سعيد، مما يعني انحياز رئيس الجمهورية إلى حاكم مصرف لبنان ضد رئيس الحكومة، ذلك إن الطعن الرئاسي يعيد القانون إلى دائرة النقاش، وتشير بعض المصادر الصحفية إلى أن هذه الخطوة أثارت غضب نواف سلام الشديد.
  • لا يمكن الحديث عن قطاع المصارف وقضية الودائع المسروقة في لبنان دون ذكر المصرفي اللبناني أنطون صحناوي، المقيم حاليا في الولايات المتحدة. ويذكر أن الدعم الرئيسي لتعيين كريم سعيد حاكما لمصرف لبنان كان القطاع المصرفي التجاري، الذي جاء منه، وهو القطاع الذي يقوده عمليا، أنطون صحناوي، أضف إلى ذلك أن أغلبية المراقبين اللبنانيين يتحدثون عن العلاقة التي تربط الرجلين.
  • أيضا من المعروف، أن صحناوي لعب دورا هاما في الدعوة التي تلقاها الرئيس اللبناني جوزف عون لزيارة واشنطن، وفي إطلاق مفاوضات لبنانية – إسرائيلية في العاصمة الأمريكية.

ويبقى السؤال بالتالي حول الخلاف الذي تبرز ملامحه بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، وعما إذا كان خلافا بين الحرس القديم للنظام المصرفي اللبناني الذي ابتلع ودائع اللبنانيين وفريق يريد تغيير هذا النظام، بصورة أو بأخرى؟

وعما إذا كان الخلاف، على مستوى آخر، هو بين رؤيتين للمرحلة الجديدة في لبنان وعن موقع هذا البلد إقليميا ودوليا؟

وريما كان السؤال الأكثر أهمية، حاليا، بالنسبة للبنانيين، هل يعني ما يحدث وما يقال أن ودائعهم ومدخراتهم قد تبخرت وذهبت إلى غير رجعة؟

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

ابق على اطلاع دائم بالأخبار الدولية أينما كنت. حمل تطبيق مونت كارلو الدولية

شارك :