زيارة بن سلمان إلى القاهرة ... واختبار قدرة الثنائي المصري السعودي في المنطقة
لا تبدو زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى القاهرة، في توقيتها الحالي، مجرد محطة في العلاقات المصرية-السعودية. فاللقاء مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يأتي بينما تتقاطع أزمات أمن الملاحة في البحر الأحمر والخليج مع التطورات العسكرية المتسارعة في اليمن، في وقت تتعرض فيه طرق تصدير النفط السعودية لضغوط متزامنة.
نشرت في:
أكد السيسي وبن سلمان خلال اللقاء على أهمية أمن وحرية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، إلى جانب دعم حل سياسي شامل ومستدام للأزمة اليمنية. لكن خلف هذه اللغة الدبلوماسية تقف معادلة أكثر تعقيدا: بالنسبة إلى الرياض، لم يعد الخطر محصورا في الحدود الجنوبية، بل بات مرتبطا أيضاً بقدرتها على الحفاظ على منافذ تصدير النفط والتجارة بعيدا عن مناطق التوتر.
باب المندب.. من جبهة يمنية إلى ممر دولي
شهدت الأيام الأخيرة تحولاً لافتاً في خريطة السيطرة على الساحل الغربي اليمني. فقد تقدم الحوثيون إلى مواقع استراتيجية بينها مدينة المخا وجزيرة ميون، المعروفة أيضاً باسم بريم، وأعلنوا السيطرة على جزيرتي حنيش الكبرى والصغرى.
وتمنح هذه المواقع الجماعة نقاط ارتكاز متقدمة قرب باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وإن كانت السيطرة على الجزر لا تعني بالضرورة القدرة على إغلاق المضيق أمام حركة الملاحة الدولية، لكنها ترفع قدرة الحوثيين على مراقبة الممر وتهديد السفن وفرض كلفة أمنية وتأمينية إضافية على الشركات البحرية.
وتتضاعف أهمية باب المندب لأنه يمثل الحلقة البحرية التي تصل البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ومنها إلى قناة السويس. وأي اضطراب طويل الأمد يدفع مزيداً من السفن إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، بما يعني رحلات أطول وكلفة أعلى واضطرابات محتملة في سلاسل الإمداد.
السعودية أمام معادلة صعبة
المشكلة بالنسبة إلى الرياض أن الضغوط لا تأتي من باب المندب وحده. فمضيق هرمز يواجه بدوره مخاطر أمنية متزايدة، فيما تعرض خط أنابيب شرق-غرب السعودي، الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى موانئ البحر الأحمر، لهجوم أدى إلى تعطله.
كان هذا الخط يمثل أحد البدائل السعودية لتجاوز مخاطر نقل النفط عبر الخليج ومضيق هرمز. لكن اقتراب الحوثيين من باب المندب يجعل هذا البديل نفسه أكثر هشاشة.
وهكذا تجد السعودية نفسها أمام معادلة معقدة: هرمز في الشرق، وخط الأنابيب في الوسط، وباب المندب في الغرب. وكلما تضررت إحدى هذه الحلقات، تقلصت قدرة المملكة على تنويع طرق تصدير النفط.
في الوقت نفسه، لا تبدو الرياض راغبة في العودة إلى حرب استنزاف طويلة داخل اليمن. كما أن واشنطن، رغم استمرارها في تقديم الدعم الاستخباراتي والمساعدة في تحديد الأهداف، لم تبد استعداداً لخوض مواجهة عسكرية مباشرة مع الحوثيين نيابة عن السعودية.
لماذا يهم ذلك مصر؟
بالنسبة إلى القاهرة، لا يمثل اضطراب باب المندب مشكلة خارجية بعيدة. فكل تهديد مستمر للملاحة في البحر الأحمر يمكن أن ينعكس مباشرة على قناة السويس، أحد أهم مصادر النقد الأجنبي في مصر.
وقد خسرت القناة مليارات الدولارات من إيراداتها خلال فترة اضطراب الملاحة السابقة، بعدما دفعت هجمات الحوثيين شركات شحن كبرى إلى تغيير مساراتها. لذلك تنظر القاهرة إلى استقرار باب المندب باعتباره جزءاً من أمنها الاقتصادي، وليس مجرد ملف أمني سعودي.
ومع ذلك، لا تشير المواقف المعلنة حتى الآن إلى استعداد مصر للتدخل العسكري المباشر في اليمن. الأرجح أن القاهرة ستسعى إلى تعزيز التنسيق البحري والأمني والسياسي، مع إبقاء الأولوية لحماية الملاحة وتجنب اتساع رقعة الحرب.
إلا أن مراقبين اعتبروا أن بن سلمان يريد طلب الدعم المصري لمواجهة الجماعة، وذلك في ظل تقارير صحفية حول الرفض الأمريكي لطلب سعودي بالتدخل العسكري، إلى جانب إحجام باكستان حتى الآن عن تقديم الدعم للرياض رغم توقيعها "اتفاقية مكة" الدفاعية، واستمرار الخلافات مع الحليفة السابقة في اليمن ، الإمارات.
اختبار يتجاوز اليمن
واعتبرت صحيفة "عكاظ" السعودية أن توقيت الزيارة يمنحها "بعدا استراتيجيا إضافيا"، مع تزايد الحاجة إلى التنسيق العربي وتبادل الرؤى بشأن التطورات المتسارعة.
كما قالت قناة "النيل للأخبار" المصرية الرسمية إن العلاقات بين القاهرة والرياض تمثل "شراكة استراتيجية راسخة ودورا محوريا في دعم الأمن العربي"، وأن العلاقات بين البلدين "لم تقتصر على تفردها التاريخي، بل هي علاقات استراتيجية أيضا مبنية على تنسيق متكامل على الأصعدة كافة".
بهذا المعنى، تختبر زيارة بن سلمان إلى القاهرة قدرة السعودية ومصر على التعامل مع أزمة تتجاوز حدود اليمن. فالمسألة أصبحت مرتبطة بسلسلة واحدة تمتد من الخليج ومضيق هرمز، عبر طرق تصدير النفط السعودية، وصولاً إلى باب المندب وقناة السويس.
والتحدي أمام الرياض والقاهرة ليس فقط منع الحوثيين من تحويل مواقعهم الجديدة إلى منصة دائمة لتهديد الملاحة، بل أيضاً تجنب أن يتحول البحر الأحمر إلى ساحة مواجهة إقليمية مفتوحة.
لذلك قد يكون أهم ما في زيارة بن سلمان أنها تعكس انتقال ملف اليمن من كونه حربا داخلية ذات تداعيات إقليمية، إلى جزء من معادلة أمنية أوسع تمس الطاقة والتجارة وقناة السويس وتوازن القوى في البحر الأحمر. وفي هذه المعادلة، يصبح استقرار اليمن شرطا لاستقرار واحد من أهم الممرات التي تربط اقتصاد الخليج بالاقتصاد العالمي.
الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم
اشترك