رغم عقبة الدستور.. حزب العدالة والتنمية يعلن أردوغان مرشحا لرئاسة تركيا فما علاقة السلام مع الأكراد؟

في رسالة سياسية أكثر منها قانونية أعلن حزب العدالة والتنمية الحاكم أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان سيكون مرشحه للانتخابات الرئاسية المقبلة، في لحظة تبدو فيها تركيا أمام واحد من أكثر الاستحقاقات الدستورية تعقيدا منذ الانتقال إلى النظام الرئاسي عام 2018.

امرأة تنظر من نافذة خلف لافتة تحمل صورة مؤسس الدولة التركية أتاتورك (يسار) والرئيس التركي أردوغان (يمين).
امرأة تنظر من نافذة خلف لافتة تحمل صورة مؤسس الدولة التركية أتاتورك (يسار) والرئيس التركي أردوغان (يمين). © ليفتيريس بيتاراكيس / أسوشييتد برس
إعلان

ومن الناحية القانونية، لا يملك أردوغان، إذا بقيت الأمور على حالها، حق الترشح للانتخابات المقررة في عام 2028، إذ تنص المادة 116 من الدستور المعدل على أن الرئيس الذي انتخب لولايتين لا يمكنه الترشح مرة ثالثة إلا إذا قرر البرلمان، بأغلبية ثلاثة أخماس أعضائه، إجراء انتخابات مبكرة خلال ولايته الثانية.

أما إذا دعا الرئيس بنفسه إلى انتخابات مبكرة، فلا يفتح ذلك الباب أمام ولاية جديدة، وفي حين لا يحل إعلان حزب العدالة والتنمية ترشيح أردوغان المشكلة الدستورية، فإنه يؤكد أن الحزب قرر خوض معركة تعديل قواعد اللعبة السياسية وربما الدستورية قبل خوض المعركة الانتخابية نفسها.

حسم أي نقاش دخلي في الحزب الحاكم

وحتى وقت قريب كانت الأوساط السياسية والإعلامية التركية تتحدث عن مرحلة "ما بعد أردوغان"، وسيناريوهات انتقال السلطة داخل حزب العدالة والتنمية، وأسماء محتملة لخلافة الرئيس، مثل وزير الخارجية هاكان فيدان أو سلجوق بيرقدار أو حتى بلال أردوغان، انطلاقا من فرضية أن انتخابات 2028 ستكون نهاية المسار السياسي للرئيس الذي يقود تركيا منذ عام 2003.

إلا أن التصريحات الأخيرة للمتحدث باسم الحزب عمر تشيليك، المدعومة مباشرة من زعيم حزب الحركة القومية دولت بهتشلي، أغلقت الباب أمام أي نقاش داخلي حول مرحلة ما بعد أردوغان، وأعادت التأكيد أن الرجل نفسه هو مشروع السلطة للسنوات المقبلة، حتى وإن كان الدستور لا يسمح بذلك في صورته الحالية.

ولا يبدو أن اختيار هذا التوقيت جاء مصادفة، فالحزب الحاكم أعلن مرشحه في وقت تعيش فيه المعارضة أكبر أزمة داخلية منذ تأسيس الجمهورية، بعد قرار القضاء إلغاء مؤتمر حزب الشعب الجمهوري الذي أوصل أوزغور أوزيل إلى رئاسته وإعادة كمال كيليتشدار أوغلو إلى قيادة الحزب، دخل أكبر أحزاب المعارضة في صراع شرعية غير مسبوق، بينما لا يزال رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، أبرز منافسي أردوغان، يواجه المحاكمة والاحتجاز، أمر يرى معارضون أن القضاء يستخدم لإعادة رسم المشهد السياسي قبل الانتخابات المقبلة.

رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو واجه تحقيقا جديدا بعد يوم من إعلان نيته الترشح لانتخابات الرئاسة في تركيا
رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو واجه تحقيقا جديدا بعد يوم من إعلان نيته الترشح لانتخابات الرئاسة في تركيا. © حساب أكرم إمام أوغلو على منصة إكس

انقسام المعارضة.. فرصة أردوغان

ويرى محللون أن هذه التطورات قد تمنح السلطة نافذة مناسبة للدفع نحو انتخابات مبكرة إذا استمرت المعارضة في الانقسام، لأن الحزب الحاكم سيكون في مواجهة خصم أقل تماسكا وأكثر انشغالا بصراعاته الداخلية.

غير أن العقبة الأساسية لا تزال برلمانية قبل أن تكون انتخابية، فتحالف الشعب، الذي يضم حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية وحلفاء آخرين أصغر، لا يملك العدد اللازم لتمرير قرار تجديد الانتخابات في البرلمان.

ولا بد أن يمر أي سيناريو يسمح بترشح أردوغان مجددا حتما عبر تأمين أغلبية 360 نائبا داخل البرلمان، ومن هنا تكتسب التحولات الأخيرة في علاقة السلطة بحزب المساواة والديمقراطية للشعوب أهمية استثنائية، إذ يرى بعض المراقبين أن الحوار الجاري مع الأكراد لا يرتبط فقط بملف السلام أو نزع سلاح حزب العمال الكردستاني، إنما يحمل بعدا برلمانيا يهدف إلى توفير الأصوات التي يحتاجها التحالف الحاكم إذا قرر الذهاب إلى انتخابات مبكرة، وحتى الآن لا يوجد ما يؤكد نجاح هذا السيناريو، لكنه بات جزءا أساسيا من النقاش السياسي التركي.

وبعدما كانت العملية بطيئة ومعطّلة قال ​الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الأربعاء إن العمل جار ​على إعداد إطار قانوني من شأنه تسريع عملية حل جماعة حزب العمال الكردستاني المسلحة، مضيفا أنه سيدرَج على جدول أعمال البرلمان ​على وجه ‌السرعة.

وتشير هذه الخطوة إلى احتمال تحقيق ⁠تقدم بعد تعثر عملية السلام بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني خلال الأشهر ‌القليلة الماضية بسبب حرب إيران والمخاوف التي أثارتها من ⁠حدوث مزيد من عدم الاستقرار بالمنطقة.

وتحاول السلطة الحاكمة نفي تخطيطها لانتخابات مبكرة، ويؤكد عمر تشيليك أن الحديث عن ترشيح أردوغان لا يعني وجود قرار بتقديم موعد الاقتراع، بينما يذهب دولت بهتشلي إلى أبعد من ذلك، معتبرا أن إجراء الانتخابات في ربيع 2028 قبل أسابيع من موعدها الدستوري لا ينبغي أن يصنف أصلا باعتباره "انتخابات مبكرة"، بل مجرد "تجديد للانتخابات"، ما يعكس حجم التعقيد الدستوري الذي يواجهه معسكر الحكم.

في الوقت نفسه، لا يمكن فصل هذا التحرك عن السياق الاقتصادي والإقليمي، فالحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران وما رافقها من اضطرابات في أسواق الطاقة، إضافة إلى استمرار الضغوط على الليرة والتضخم، تعني أن عامل الزمن قد لا يكون في صالح الحكومة.

وكلما اقتربت تركيا من عام 2028، ازدادت احتمالات دخول الانتخابات في ظل ظروف اقتصادية أكثر صعوبة، وهو ما يفسر حديث المراقبين عن أن نافذة إجراء انتخابات مبكرة قد تكون أكثر جاذبية سياسيا من انتظار الموعد الدستوري الكامل.

منصور ياواش المنافس الأكثر إزعاجا

ويمكن اعتبار إعلان العدالة والتنمية أن مرشحه الوحيد للانتخابات المقبلة هو أردوغان قبل أن يمتلك الأساس القانوني الذي يسمح له بالترشح، يعتبر بمثابة إعلان بأن معركة السنوات المقبلة لن تكون انتخابية فقط، إنما دستورية وقضائية وبرلمانية، تتجسد بإيجاد مخرج دستوري جديد كليّا، وقد عزز هذا الانطباع تصريح كبير المستشارين القانونيين للرئاسة محمد أوتشوم، الذي اقترح إجراء الانتخابات في 16 أبريل/نيسان 2028 بدلا من موعدها الأصلي في مايو أيار، عبر قرار من البرلمان بتجديد الانتخابات، معتبرا أن ذلك يفتح الباب أمام "ترشح استثنائي" للرئيس، في موعد يوافق الذكرى الحادية عشرة للاستفتاء الذي نقل تركيا إلى النظام الرئاسي، في محاولة لإضفاء بعد رمزي على الاستحقاق المقبل.

وحتى لو نجح أردوغان في تجاوز العقبة الدستورية، فإن السؤال الأصعب يبقى إذا ما كان سيستطيع الفوز؟، فالمشهد الانتخابي يختلف كثيرا عما كان عليه في عامي 2018 و2023، حين كانت المعارضة تبحث عن مرشح قادر على منافسة الرئيس، بينما تمتلك اليوم بحسب معظم استطلاعات الرأي التي نُشرت خلال الأسابيع الأخيرة، أكثر من شخصية قادرة على هزيمته، وإن كانت بدرجات متفاوتة.

ويظل أكرم إمام أوغلو، رغم وجوده في السجن ومواجهته سلسلة من القضايا القضائية، أحد أكثر السياسيين شعبية في البلاد، بينما تشير استطلاعات أخرى إلى أن رئيس بلدية أنقرة منصور ياواش يتقدم حتى على إمام أوغلو في فرص الفوز، إذ يحظى بدعم شريحة أوسع تضم القوميين والمحافظين وبعض ناخبي حزب العدالة والتنمية السابقين

رئيس بلدية أنقرة المعارض منصور ياواش بات أقوى منافس لإردوغان على الرئاسة.
رئيس بلدية أنقرة المعارض منصور ياواش بات أقوى منافس لإردوغان على الرئاسة © حساب رئيس بلدية انقرة على إكس

ويعتقد على نطاق واسع أن الخطر الحقيقي بالنسبة إلى أردوغان لا يتمثل في مرشح بعينه، بل في قدرة المعارضة على الالتفاف حول شخصية واحدة تحظى بقبول يتجاوز القاعدة التقليدية لحزب الشعب الجمهوري.

وتتهم المعارضة السلطات بالتركيز المتزايد على تفكيك المعارضة من الداخل، فالأزمة التي يعيشها حزب الشعب الجمهوري والتي تتجلى بالنزاع بين أوزغور أوزيل وكمال كيليتشدار أوغلو، تحولت إلى معركة على هوية الحزب ومستقبله السياسي.

ويرى معارضون أن سلسلة الإجراءات القضائية التي طالت الحزب، من إلغاء مؤتمره العام إلى ملاحقة رؤساء البلديات، لا تستهدف فقط معاقبة شخصيات بعينها، وإنما إضعاف أكبر قوة سياسية منافسة قبل الوصول إلى موعد الانتخابات، ووفق المشهد الحالي فلن تحتاج السلطة بالضرورة إلى حظر الحزب أو إخراجه من المشهد، إذا استطاعت إبقاؤه غارقا في الصراعات الداخلية والنزاعات القضائية حتى يفقد قدرته على تنظيم حملة انتخابية موحدة.

ولا يقتصر الأمر على حزب الشعب الجمهوري وحده، فالمعارضة بأكملها تواجه معضلة مزدوجة، فمن جهة، تجد نفسها مضطرة إلى الدفاع عن قادتها أمام المحاكم والرأي العام، ومن جهة أخرى، يتعين عليها إعداد برنامج سياسي واقتصادي قادر على إقناع الناخبين بأنها تمثل بديلا جديا للحكم.

قمة الناتو.. فرصة لتعويض آثار أزمات السلطة

في المقابل، يحاول أردوغان استثمار كل إنجاز خارجي لتعويض آثار الأزمات الاقتصادية الداخلية، وإعادة تقديم نفسه باعتباره رجل الدولة الوحيد القادر على إدارة الملفات الإقليمية المعقدة، تماما كما فعل في انتخابات 2023 عندما ركز على الوساطة بين روسيا وأوكرانيا، واتفاق الحبوب، وتوسيع الدور التركي داخل حلف شمال الأطلسي، في وقت تستعد فيه أنقرة لاستضافة قمة لحلف الناتو.

وتكتسب قمة حلف شمال الأطلسي، التي تستضيفها أنقرة يومي السابع والثامن من يوليو/تموز، أهمية خاصة في هذا السياق، فالرئيس التركي أعلن أنه يتوقع عقد لقاء ثنائي مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب على هامش القمة، التي ستجمع اثنين وثلاثين من قادة دول الحلف، إلى جانب شركاء من آسيا والخليج، في حدث تسعى أنقرة إلى تقديمه باعتباره دليلا على المكانة الدولية المتنامية لتركيا، وفي وقت تتحدث فيه الحكومة عن رفع الإنفاق الدفاعي إلى خمسة في المئة من الناتج المحلي بحلول عام 2030، انسجاما مع التوجهات الجديدة داخل الحلف.

يقابل ذلك تشدد داخلي متزايد، حيث فرضت السلطات قيودا واسعة على التظاهرات والاحتجاجات في العاصمة قبيل القمة، ونفذت حملات اعتقال طالت ناشطين وأكاديميين ومعارضين بدعوى الحفاظ على الأمن العام.

اقتصاديا، لا تبدو الظروف أقل تعقيدا، فالتضخم لا يزال مرتفعا، والليرة تعرضت لضغوط متكررة، واستنزفت السلطات جزءا كبيرا من احتياطاتها خلال العامين الماضيين للحفاظ على استقرار العملة، بينما زادت الحرب الأخيرة مع إيران من المخاوف بسبب اعتماد تركيا الكبير على واردات الطاقة، وكلما تأخر موعد الانتخابات، ازدادت احتمالات دخولها في ظروف اقتصادية أكثر صعوبة.

سيناريوهات محتملة

تبدو السيناريوهات المطروحة محدودة، فالسيناريو الأول يتمثل في تعديل الدستور، وهو خيار يحتاج إلى أغلبية يصعب على التحالف الحاكم حتى اللحظة توفيرها.

أما السيناريو الثاني، وهو الأكثر تداولا، فيقوم على إقناع البرلمان بتجديد الانتخابات قبل انتهاء الولاية الحالية، بما يسمح لأردوغان بالترشح استنادا إلى المادة 116 من الدستور.

ولا يمكن استبعاد سيناريو ثالث يتمثل في استمرار استنزاف المعارضة سياسيا وقضائيا، على أمل أن تصل إلى الانتخابات وهي أقل قدرة على توحيد صفوفها، سواء جرت في موعدها أو قبل ذلك.

فيما تضاءل احتمال انتقال السلطة داخل معسكر العدالة والتنمية إذا تعذر إيجاد مخرج دستوري وسياسي لترشح أردوغان.

في الخلاصة تبدو تركيا مقبلة على مرحلة ستكون فيها قرارات البرلمان، وأحكام القضاء، والتوازنات الاقتصادية، والتحولات الإقليمية، عوامل لا تقل أهمية عن صناديق الاقتراع نفسها.

أردوغان.. وإرث أتاتورك "الراسخ"

بنى رجب طيب أردوغان نموذجه السياسي على النقيض من إرث مصطفى كمال أتاتورك، ولم ينجح حتى اليوم صعود التيار المحافظ القادم من الأناضول الذي وجد في أردوغان ممثله السياسي بتجاوز أو منافسة التحولات التي أحدثها أتاتورك بعد عام 1923، من إلغاء الخلافة واعتماد الحروف اللاتينية والقوانين الأوروبية إلى بناء دولة قومية علمانية، رغم إطلاقه مشروعه المسمى "القرن التركي" كتحدي مباشر لإرث "الكمالية"؛ ورغم اعتبار أردوغان أكثر الزعماء تأثيرا في تركيا منذ أتاتورك، بفضل بقائه الطويل في السلطة ومشاريعه الكبرى.

وما يزال أتاتورك وحزبه الذي أسسه حزب الشعب الجمهوري الذي يلاحق أردوغان حاليا أعضائه يحظيان بإجلال واسع لدى شريحة كبيرة من الشعب التركي، كما ظلّ الجيش التركي يعتبر نفسه حاميا للإرث العلماني الذي تركه أتاتورك في مواجهة أي محاولة للانحراف نحو الإسلام السياسي.

غير أن تركيا المتجهة نحو النموذج الأوروبي في نمط الحياة، لم يتقبلها أردوغان يوما، بل ظل ينظر إليها بروح ثأرية وفي نظره، يمثل أتاتورك انتصار البرجوازية المتنورة في إسطنبول على حساب الطبقات الشعبية التي شعر بأنها همشته في طفولته، وهو يسعى لرد اعتباره عبر فرض نموذج حضاري خاص به يقوم على الإسلام المحافظ وإعادة الإسلام السياسي إلى قلب مؤسسات الدولة في استراتيجية دقيقة تهدف إلى الحد من نفوذ حراس إرث أتاتورك، دون المجازفة بمهاجمته علنا أو السعي إلى محوه بصورة مباشرة.

وإذا كان أردوغان اضطر في مراحل معينة، إلى إظهار تمسكه بالعلمانية الرسمية من أجل كسب دعم المؤسسة العسكرية، فإن خطابه السياسي اتجه منذ اندلاع ثورات الربيع العربي إلى مزيد من الراديكالية بإعادة صياغة هوية الدولة التركية على أسس تختلف جذريا عن المشروع "الكمالي".

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

ابق على اطلاع دائم بالأخبار الدولية أينما كنت. حمل تطبيق مونت كارلو الدولية

شارك :