معركة أردوغان الأخيرة.. هل يجري تفكيك حزب الشعب الجمهوري الذي أسّسه أتاتورك؟

دخلت تركيا واحدة من أكثر أزماتها السياسية حساسية منذ سنوات، بعدما ألغت محكمة تركية نتائج مؤتمر حزب الشعب الجمهوري لعام 2023، الذي أوصل أوزغور أوزيل إلى رئاسة أكبر أحزاب المعارضة، ما فتح الطريق أمام عودة زعيمه السابق كمال كيليتشدار أوغلو، وسط حملة قضائية وأمنية غير مسبوقة على الحزب، شملت توقيف وسجن مئات مسؤوليه المنتخبين، وفي مقدمتهم رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، المرشح الرئاسي البارز، وتزامنت الأزمة مع ضغوط اقتصادية متزايدة تعزز إمكانية لجوء الرئيس إلى انتخابات مبكرة قبل موعدها في 2028.

أوزغور أوزيل، الرئيس "المُقال" لحزب الشعب الجمهوري، حزب المعارضة الرئيسي، يتفاعل من أعلى مركبة شرطة مُدرعة أثناء مسيرته نحو البرلمان في أنقرة، تركيا، في 24 مايو/أيار 2026
أوزغور أوزيل، الرئيس "المُقال" لحزب الشعب الجمهوري، حزب المعارضة الرئيسي، مبتلا بالماء يتفاعل من أعلى مركبة شرطة مُدرعة أثناء مسيرته نحو البرلمان في أنقرة، تركيا، في 24 مايو/أيار 2026، بعد أن نفذت السلطات حكما قضائيا بإخراج قيادة الحزب من المبنى. © @eczozgurozel
إعلان

وقضت المحكمة بإلغاء التصويت القيادي في مؤتمر حزب الشعب الجمهوري عام 2023، مستندة إلى مزاعم بوجود تلاعب في الأصوات، وهو ما ينفيه أوزيل بشدة.

وبموجب الحكم، أُقصيت القيادة الحالية، بما فيها أوزيل، وأعيد كيليتشدار أوغلو وفريقه السابق إلى قيادة الحزب. وكان كيليتشدار أوغلو قد قاد الحزب بين 2010 و2023، وخسر عدة انتخابات أمام أردوغان، بينها الانتخابات الرئاسية الأخيرة عام 2023.

ووصف حزب الشعب الجمهوري الحكم بأنه "انقلاب قضائي"، واتهم المحكمة بأنها تعمل كـ"فرع للحزب الحاكم".

وتعهد أوزيل بالطعن في القرار، مؤكدا أنه لن يسلم مقر الحزب للقيادة التي عينتها المحكمة، وقال أمام حشد من أنصاره في أنقرة إن ما جرى "محاولة انقلاب ضد الحزب الذي أسسه مصطفى كمال أتاتورك"، في إشارة إلى تأسيس الحزب عام 1923 على يد مؤسس الجمهورية التركية الحديثة العلمانية.

وتصاعدت الأزمة الأحد عندما دخلت شرطة مكافحة الشغب مقر حزب الشعب الجمهوري في أنقرة لإخراج القيادة المعزولة، بعدما أمرت السلطات بتنفيذ الحكم القضائي. وأطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع واقتحمت المبنى بالقوة، وأخرجت أوزيل من المقر.

وبعد مغادرته، قاد أوزيل مسيرة إلى البرلمان التركي، معلنا أن البرلمان سيكون "المقر الجديد" للحزب "إلى أن تحرر هذه المعركة الحزب من الاحتلال".

وأدان حزب المساواة والديمقراطية للشعوب المؤيد للأكراد، ثالث أكبر قوة في البرلمان، الحكم والتدخل الأمني.

واعتبر الرئيس المشارك للحزب تونجر باكيرهان أن ما حدث "مخز وغير مقبول" و"وصمة عار على الديمقراطية وفضيحة لسيادة القانون"، وأضاف بأن مصير الأحزاب السياسية يجب ألا تحدده المحاكم، بل أعضاؤها وخيارات ناخبيها، كما انتقدت أحزاب معارضة أصغر الحكم ووصفته بأنه مناهض للديمقراطية، بينما رأى دولت بهتشلي، حليف أردوغان، أن القضاء لا ينبغي أن يتدخل في الشؤون الداخلية للأحزاب.

ويعتبرحزب المساواة والديمقراطية للشعوب ثالث أكبر قوة في البرلمان بعد حزب الشعب الجمهوري وحزب العدالة والتنمية الحاكم بزعامة الرئيس رجب طيب أردوغان.

وساعد الحزب في تسهيل خطوات نحو السلام بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني المحظور، الذي أودى النزاع معه بحياة أكثر من 40 ألف شخص منذ عام 1984.

لكن الحزب انتقد طريقة تعامل الحكومة مع عملية السلام، داعيا إياها إلى اتخاذ خطوات أكثر جدية نحو الديمقراطية. كما قال إن حملة التضييق على المعارضة الرئيسية تثير مخاوف لدى الرأي العام بشأن فرص نجاح عملية السلام.

كما انتقدت أحزاب معارضة أصغر الحكم واعتبرته مناهضا للديمقراطية، في حين رأى حليف أردوغان دولت بهتشلي أن القضاء ينبغي ألا يتدخل في الشؤون الداخلية للأحزاب.

في المقابل، دافع وزير العدل أكين غورليك عن قرار المحكمة، قائلا إنه أظهر أن "آليات التصحيح الذاتي للديمقراطية وسيادة القانون" تعمل.

كما قال المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية عمر جليك إن ما يحدث يتعلق بتحقيق القضاء في ادعاءات ظهرت نتيجة صراعات داخلية داخل حزب الشعب الجمهوري.

بدأت حملة التضييق على الحزب (الذي أسسه كمال أتاتورك عام 1923)، عندما سُجن أحمد أوزر، رئيس بلدية إسنيورت التابعة لإسطنبول والمنتمي إلى حزب الشعب الجمهوري، بانتظار محاكمته بتهمة وجود صلات مزعومة مع حزب العمال الكردستاني المحظور، قبل أن يُفرج عنه في 12 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 مع بقاء الحكم القضائي معلقا.

ثم جاء اعتقال رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو في مارس/آذار 2025 بتهم تشمل الفساد وغسل الأموال والتجسس والإرهاب والارتباط بحزب العمال الكردستاني ليفجر أكبر احتجاجات في تركيا منذ عقد.

وينفي إمام أوغلو جميع التهم الموجهة إليه، وقد ألغيت شهادته الجامعية أيضا، ما يجعله غير مؤهل للترشح إلى الرئاسة وفق القوانين التركية.

ويواجه إمام أوغلو، في حال إدانته، حكما قد يصل إلى 2352 عاما في السجن، بعدما اتهمه غورليك بقيادة شبكة فساد ضخمة كبدت الدولة مليارات الليرات.

ويواجه إمام أوغلو، الذي لا تزال محاكمته مستمرة، اتهامات إضافية بالتجسس وإهانة المدعي العام غورليك، الذي رقّاه أردوغان هذا العام وعيّنه وزيرا للعدل.

ووصف أكرم إمام أوغلو حكم إطاحة قيادة حزبه بأنه "باطل ولاغ"، وجاء في رسالة نشرت على حسابه على منصة "إكس": "إنه انقلاب ضد تركيا، ضد الديمقراطية، ضد الجمهورية"، مضيفا: "إنه بمثابة تدمير للنظام الدستوري. لقد حان الوقت لكي يقف الشعب دفاعا عن تركيا".

وكان انتُخب أوزيل رئيسا لحزب الشعب الجمهوري خلال مؤتمر للحزب عام 2023، خلفا لكمال كيليتشدار أوغلو الذي نافس أدوغان منذ 2010 ولم يستطع هزيمته، وكان أكرم إمام أوغلو هو من دعم وصول أوزيل إلى سدة الحزب.

وقاد أوزيل تظاهرات مناهضة لأردوغان منذ اعتقال أبرز منافسيه السياسيين، رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، الذي تقدم حينها على الرئيس أردوغان في استطلاعات الناخبين.

وأثارت عودة كيليتشدار أوغلو غضبا واسعا داخل قواعد الحزب، إذ يرى كثيرون أنه استفاد، أو ساهم ضمنيا، في حملة الحكومة على الحزب، وتصاعد الغضب بعدما نشر مقطعا على منصة "إكس" اتهم فيه الحزب بأنه "تلوث بالفساد"، قائلا إنه "يعرف كيف يطهر نفسه"، في إشارة بدت مرتبطة بقضايا الفساد المرفوعة ضد مسؤولين في الحزب.

ورد أوزيل قائلا إن حزب الشعب الجمهوري "يقف بثبات في وجه كل الانقلابيين والمتعاونين معهم"، فيما هتف أكثر من ألف متظاهر خارج مقر الحزب: "كمال الخائن" و"الرئيس إمام أوغلو".

وقال أوزيل أمام حشد كبير تجمع خارج مقر الحزب في أنقرة: "اليوم جرت محاولة انقلاب ضد الحزب الذي أسسه مصطفى كمال أتاتورك"، وتأسس حزب الشعب الجمهوري عام 1923 على يد أتاتورك، مؤسس الجمهورية التركية الحديثة العلمانية.

وهز القرار الأسواق التركية بقوة، فقد تراجعت بورصة إسطنبول 6% بعد صدور الحكم، ما أدى إلى تفعيل آلية وقف التداول، واضطرت بنوك الدولة إلى بيع أكثر من 8 مليارات دولار لدعم الليرة.

وسبق للبنك المركزي أن باع نحو 57 مليار دولار من احتياطاته بعد اعتقال إمام أوغلو في مارس/آذار 2025 للدفاع عن العملة، فيما تراجعت الاحتياطات الأجنبية بمقدار قياسي بلغ 43 مليار دولار في مارس آذار.

وتفاقم الضغط على الاقتصاد التركي بسبب تداعيات الحرب مع إيران والإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، إذ تعتمد تركيا بدرجة كبيرة على استيراد النفط والغاز الطبيعي والأسمدة، ما يجعلها عرضة لارتفاع الأسعار.

وبلغ التضخم السنوي 32.37% في أبريل/نيسان، بعدما كان 30.87% في مارس/آذار، فيما حذر محللون من استمرار خروج رؤوس الأموال وخسائر احتياطيات النقد الأجنبي بسبب تزايد المخاطر السياسية والضغوط الخارجية.

وتشير هذه العوامل إلى احتمال أن يلجأ أردوغان إلى انتخابات مبكرة، ربما هذا الخريف، قبل موعد الانتخابات المقرر في مايو/أيار 2028.

فالرئيس الذي يحكم تركيا منذ 23 عاما، (12 عام رئيس وزراء، ومثلها رئيس جمهورية) والبالغ 72 عاما، بلغ الحد الأقصى لولاياته ولا يستطيع الترشح مجددا إلا إذا دُعي إلى انتخابات مبكرة أو عُدّل الدستور، ولا يملك حاليا أغلبية 360 نائبا من أصل 600 لطرح تعديل دستوري على الاستفتاء.

ويعتقد مراقبون أن أردوغان قد يسعى إلى استغلال تفكك المعارضة، خصوصا بعد إضعاف حزب الشعب الجمهوري وإغراقه في نزاعات داخلية، قبل أن تتفاقم آثار الحرب والتضخم على الناخبين.

ولقد أظهر استطلاع حديث أن 44% من المشاركين بالكاد يستطيعون تغطية حاجاتهم الأساسية مثل الغذاء والسكن، وأن 37% يعتبرون الغذاء العبء المالي الأكبر، بينما قال أكثر من 72% إن الاقتصاد يدار بصورة سيئة منذ أصر على خفض الفائدة لتعويم الليرة.

ورغم انتقادات الاتحاد الأوروبي للحكم وإعرابه عن القلق بشأن سيادة القانون واستقلال القضاء والتعددية الديمقراطية، جاءت ردود الفعل الغربية محدودة، في وقت يحظى فيه الرئيس أردوغان بدعم من نظيره الأمريكي دونالد ترامب الذي التزمت إدارته الصمت، كما تزيد أهمية تركيا الاستراتيجية بالنسبة لحلفائها في الناتو ودول الخليج بسبب موقعها ودورها الدفاعي وتداعيات الحرب مع إيران.

حرص أردوغان بشدة على تركيز السلطة حول نفسه لدرجة أن الحزب الحاكم يبدو عاجزا عن تقديم مرشحين بديلين عن أردوغان، وعلى سبيل المثال، كان مرشح حزب العدالة والتنمية لانتخابات رئاسة بلدية إسطنبول، مراد كوروم، يفتقر للموهبة السياسية، بينما أصبحت أخطاءه الانتخابية حديث الساعة على الإنترنت آنذلك.

وترى دراسة نشرتها مجلة "بوليتيكال كوارترلي" أن الزلزالين المدمرين اللذين ضربا تركيا في 6 فبراير/شباط 2023 كشفا هشاشة الدولة التركية في ظل النظام الرئاسي المفرط الصلاحيات الذي أرساه الرئيس رجب طيب أردوغان.

وبدلا من تحقيق الكفاءة والحسم كما وعد أردوغان خلال استفتاء 2017، أظهرت إدارة الكارثة بطئا في اتخاذ القرار وضعفا في التنسيق وشللا مؤسساتيا، رغم الحاجة الملحة لتحرك سريع ومنظم.

ويعود ذلك إلى تركيز السلطة داخل الرئاسة ما اضعف استقلالية المؤسسات التي يجب أن تساعد الرئيس في الأزمات، ورسخ التعيينات القائمة على الولاء السياسي بدلا من الكفاءة، ما أدى إلى تراجع الاحترافية وانتشار الخوف والجمود داخل البيروقراطية، حيث بات المسؤولون يتجنبون المبادرة من دون موافقة مباشرة من الرئاسة.

وبحسب المادة 116 من الدستور المعدل عام 2018، يمكن لأردوغان الترشح مجددا إذا دعاه البرلمان بأغلبية 360 نائبا من أصل 600 لإجراء انتخابات مبكرة خلال ولايته الثانية، بينما لا يحق له الترشح إذا دعا هو شخصيا إلى انتخابات مبكرة عبر حل البرلمان.

ويملك تحالف أردوغان الحاكم 325 نائبا فقط، ما يعني حاجته إلى 35 صوتا إضافيا لتمرير قرار تجديد الانتخابات، وبينما يُطرح سيناريو استقطاب نواب من كتل أخرى، يبرز التقارب مع حزب المساواة والديمقراطية للشعوب المؤيد للأكراد كعامل مهم، نظرا لامتلاك الحزب 56 نائبا.

كان حزب الشعب الجمهوري أبدى استعداده لدعم انتخابات مبكرة شرط إجرائها في خريف 2025، لكن تقارير أشارت إلى أن أردوغان يفضل إجراءها في خريف 2027، ما قد يسمح له بالبقاء في السلطة حتى عام 2032.

كل ذلك جعل موقف أردوغان السياسي اليوم أكثر هشاشة من أي وقت مضى منذ نجاته من محاولة انقلاب عام 2016، ولا يرجح أن يؤدي ضعفه الداخلي إلى "اعتدال" في سياساته.

لكن رغم ذلك فإن أي معركة انتخابات رئاسية مقبلة ستكون شاقة بالنسبة للرئيس التركي الحالي بغض النظر عن الوقت الذي ستجرى فيه، إذا قرر الاستمرار بالحكم.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

ابق على اطلاع دائم بالأخبار الدولية أينما كنت. حمل تطبيق مونت كارلو الدولية

شارك :