ما وراء أزمة سبتة بين إسبانيا والمغرب.. التاريخ والقانون والهجرة جدل مفتوح بين أوروبا وأفريقيا

على الساحل الشمالي للمغرب، تبدو سبتة ومليلية حالتين جغرافيتين استثنائيتين: مدينتان إسبانيتان وأوروبيتان تقعان في القارة الأفريقية، تفصل حدودهما البرية المغرب عن الاتحاد الأوروبي، وتلتقي حولهما قضايا التاريخ والسيادة والهجرة والتنمية والعلاقات المغربية الإسبانية.

أثارت إيطاليا جدلاً واسعاً بدعوتها إلى استبعاد إسبانيا من منطقة شنغن، بعد أن شهدت سبتة، الجيب الإسباني الواقع في شمال أفريقيا، وصول أكثر من 60 ألف مهاجر
أثارت إيطاليا جدلاً واسعاً بدعوتها إلى استبعاد إسبانيا من منطقة شنغن، بعد أن شهدت سبتة، الجيب الإسباني الواقع في شمال أفريقيا، وصول أكثر من 60 ألف مهاجر © ماريو موران/سيبا
إعلان

وتعود قضية المدينتين إلى الواجهة كلما شهدت حدودهما موجات كبيرة من محاولات العبور نحو الأراضي الإسبانية، لكن النقاش يتجاوز في كثير من الأحيان مسألة الهجرة ليصل إلى سؤال أكثر تعقيدا يتعلق بموقع سبتة ومليلية في العلاقة بين أوروبا وشمال أفريقيا، وبالطريقة التي ينبغي بها قراءة تاريخهما في ضوء عدم قبول تهديد مبدأ استقرار الحدود الذي يقوم عليه القانون الدولي، تجاه مدينتين إسبانيتين تحيط بهما دولة لها قراءة مختلفة لماضيهما.

وفي خضم الجدل أكد وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي في حوار مع فرانس 24 أن "قضية شرعية إسبانيا وسيادتها على سبتة هي نقاش قديم وسيستمر"، مشدداً في حوار سابق مع قناة الشرق على تمسك الرباط بما تعتبره أراضيها وعلى معالجة الخلافات مع مدريد بالحوار والصبر، قائلا: "سياستنا تجاه هذه القضية طويلة النفس"، مع إعطاء الأولوية حاليا للملفات العملية المرتبطة بأزمة الهجرة والقاصرين المغاربة بحسب الوزير الذي أكد أن الرباط تريد علاقة جيدة وواضحة مع مدريد، في مستوى تطلعات البلدين، حتى نتمكن من معالجة ملف الأطفال القاصرين بشكل مسؤول، وبما يخدم مصلحتهم من خلال التعاون والحوار.

في المقابل، ردّت مدريد برفض اعتبار السيادة موضوعاً قابلاً للتفاوض؛ فأكدت وزيرة الدفاع مارغريتا روبليس أن المدينتين ليستا إسبانيتين وحسب، بل "إسبانيتان جداً لا يمكن المساس بهما"، فيما شددت الخارجية الإسبانية على أن سلامة الأراضي الإسبانية "لم تكن ولن تكون موضع نقاش".

وبين مطالبة مغربية تعتبر الملف مفتوحا، وموقف إسباني يستند إلى السيادة القائمة والاعتراف الدولي، والقانون الدولي، ويرفض وجود نزاع عليها من الأساس، يجدر فهم كيف ينبغي فهم وضع مدينتين إسبانيتين وأوروبيتين تقعان جغرافياً في أفريقيا؛ من خلال التاريخ، أم القانون الدولي وإرادة السكان، أم من خلال التحولات الاقتصادية والديموغرافية والعلاقة المتشابكة بين المغرب وإسبانيا؟

في النقاش الدائر في أوروبا وأفريقيا يمكن تمييز ثلاثة آراء رئيسية، يعيد الأول المدينتين إلى تاريخ التوسع الأوروبي في أفريقيا ويسأل عن استمرارية إرثه الاستعماري.

والثاني ينطلق من الواقع القانوني والسياسي الحالي، ويؤكد أنهما مدينتان إسبانيتان وأن التشكيك في سيادتهما قد يفتح الباب أمام مطالبات إقليمية تمس استقرار الحدود، أما الثالث يركز على الهجرة والتنمية والصحراء الغربية والتعاون والمصالح المتبادلة بين المغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي.

وبين هذه الآراء، تبقى حقيقة أساسية ينبغي التمييز بينها وبين الجدل السياسي والتاريخي، ففي النظام الدولي القائم، سبتة ومليلية تحت السيادة الإسبانية، وهما مدينتان تتمتعان بالحكم الذاتي ضمن الدولة الإسبانية، ولا تصنفهما الأمم المتحدة ضمن الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي التي تخضع لمسار تصفية الاستعمار.

من القرن الخامس عشر إلى الدولة الحديثة

تعود السيطرة الأوروبية على سبتة إلى عام 1415 عندما استولت عليها البرتغال، قبل أن تنتقل لاحقا إلى السيادة الإسبانية بصورة نهائية في القرن السابع عشر، وبقيت المدينتان تحت الحكم الإسباني خلال فترة الحماية الفرنسية والإسبانية على المغرب، ثم بعد استقلال المملكة المغربية عام 1956.

ومن المنظور الإسباني، يسبق وجود المدينتين داخل الدولة الإسبانية بقرون الحقبة الاستعمارية الأوروبية الحديثة في أفريقيا، ولا يمكن بالتالي وضعهما قانونياً في الفئة نفسها التي توضع فيها المستعمرات التي أقامتها الدول الأوروبية في القرنين التاسع عشر والعشرين.

وتشدد دراسة نشرها المعهد الملكي الإسباني إلكانو للدراسات الدولية والاستراتيجية (RealInstituto Elcano) عام 2025 على هذا التمييز، مشيرة إلى أن السيادة الإسبانية تستند إلى أسس تاريخية وقانونية، وأن معاهدات أبرمت مع المغرب على امتداد فترات مختلفة أقرت الحدود والوضع القائم.

كما أن الأمم المتحدة لا تدرج المدينتين على قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، ولذلك فإن وصفهما بأنهما "مستعمرتان" يمثل موقفا سياسيا وتاريخيا متنازعا عليه، وليس توصيفا لوضعهما في القانون الدولي.

في المقابل، ينظر المغرب تاريخياً إلى سبتة باعتبارها امتدادا لقضية السيادة على أراض بقيت تحت الحكم الأوروبي بعد انتهاء الحماية واستقلال المغرب، فكيف نشأت السيادة تاريخيا ومن ينطلق من الوضع القانوني الذي استقر عليه النظام الدولي لاحقا.

الرأي الأول: إرث أوروبي لم ينته تماما

في مقال نشرته (فورين بوليسي) في أغسطس/آب 2026، تعود المجلة إلى عام 1415، وتعتبر أن فهم سبتة المعاصرة يتطلب النظر إلى اللحظة التي استولت فيها البرتغال على المدينة.

وتربط تلك العملية ببدايات التوسع البرتغالي خارج أوروبا، وبمحاولات الوصول إلى شبكات تجارة الذهب والثروات الأفريقية، قبل أن يمتد الحضور البرتغالي لاحقا على طول الساحل الأفريقي ثم إلى المحيط الهندي وآسيا.

ووفق قراءة المجلة التي تعتبر أن المدينة لا تمنح إسبانيا فائدة جيوسياسية كبرى سوى الشعور بالفخر الامبراطوري، فإن سبتة ليست فقط حدودا خارجية للاتحاد الأوروبي في القرن الحادي والعشرين، وإنما أيضا أثر جغرافي باق من مرحلة مبكرة جدا من التوسع الأوروبي خارج القارة.

وتقترب دراسة المؤرخ جوشوا ستيل المنشورة في مجلة الجغرافيا التاريخية (Journal of Historical Geography) من جانب آخر من هذه الفكرة، فهي تبحث في الطريقة التي أعيد بها تقديم سبتة ومليلية في الخطاب الإسباني في مطلع القرن العشرين بوصفهما فضاءين أوروبيين داخل أفريقيا، وفي ارتباط هذه الصورة بالمشروع الاستعماري الإسباني في شمال المغرب.

بالنسبة إلى هذه القراءة، لا يتعلق الأمر فقط بمن يملك المدينتين وفق القانون الدولي الحالي، فهذه السيادة إسبانية في النظام القانوني القائم، وإنما بالسؤال عن الظروف التاريخية التي أنتجت هذا الوضع وعن كيفية بناء الهوية الأوروبية للمدينتين.

ويضيف بيتر جولد في كتابه (أوروبا أو أفريقيا) بعداً آخر من خلال المقارنة مع جبل طارق، فعلى الضفة الأوروبية للمضيق تسيطر بريطانيا على جبل طارق، بينما تتمسك إسبانيا بمطالبتها بالسيادة عليه، وعلى الضفة الأفريقية تسيطر إسبانيا على سبتة ومليلية، فيما يحتفظ المغرب بموقفه التاريخي تجاههما.

وكانت إسبانيا أكدت أن الاتفاق الذي وصف بالتاريخي بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة بشأن جبل طارق بعد "بريكسيت" والذي قضى بإزالة السور وضمان حرية التنقل، لا يمس مطالبتها بالسيادة، مشيرة بشكل خاص إلى أن المادة الثانية من الاتفاق التي تنص بوضوح على استمرار مطالبة مدريد بسيادتها على جبل طارق.

ومن هنا يرى أصحاب هذه المقارنة مفارقة سياسية تقول إن إسبانيا تطالب بأرض تسيطر عليها قوة أوروبية أخرى عند طرف المضيق هي بريطانيا، بينما ترفض المطالبة المغربية بالمدينتين الواقعتين على الطرف الأفريقي منه.

لكن التشابه الجغرافي لا يعني التطابق القانوني، فجبل طارق مدرج لدى الأمم المتحدة ضمن الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، بينما سبتة ومليلية ليستا مدرجتين على هذه القائمة، وهذه واحدة من الحجج الأساسية التي تستخدم للقول إن المقارنة مفيدة تاريخيا وسياسيا، لكنها لا تكفي لإثبات تماثل الحالات في القانون الدولي.

تضيف (فورين بوليسي) إلى التاريخ عاملا ديموغرافيا، وتقول إن أوروبا تواجه شيخوخة سكانية، فيما تشهد أفريقيا نموا سكانيا أكبر، ولا يعني ذلك بالضرورة تغيرا قريبا في السيادة أو الحدود، لكنه يجعل العلاقة الاقتصادية والبشرية بين الضفتين عاملا متزايد الأهمية عند التفكير في مستقبل المنطقة.

الرأي الثاني: مدينتان إسبانيتان ومجتمعان أوروبيان

على الجانب الآخر، تبدأ قراءة مختلفة من الحاضر، وإذا كانت دراسة التاريخ ضرورية لفهم نشأة الحدود، فإن أصحاب هذا الرأي يرون أن النظام الدولي لا يستطيع إعادة تحديد السيادة في كل مرة تعود فيها النقاشات حول أصول الحدود، ومن هذا المنطلق، فإن المرجعية الأساسية هي القانون الدولي والواقع السياسي وإرادة السكان.

ولذه السبب تحاول دراسة المعهد الملكي الإسباني إلكانو للدراسات الدولية والاستراتيجية (RealInstituto Elcano) الانتقال من خطاب دفاعي يقوم فقط على إثبات أقدمية الوجود الإسباني إلى إعادة تقديم سبتة ومليلية باعتبارهما مجتمعين أوروبيين ديمقراطيين ومتعددي الثقافات.

ويعيش في المدينتين معاً نحو 170  ألف شخص، وينتمي السكان إلى خلفيات دينية والثقافية متعددة، بينهم مسيحيون ومسلمون ويهود وهندوس، وهم مواطنون إسبان وأوروبيون يعيشون في مدينتين تتمتعان بالحكم الذاتي وتشاركان في المؤسسات الديمقراطية الإسبانية.

فالسؤال هو كيف يعيش سكانهما اليوم، وما المستقبل الذي يريدونه لأنفسهم؟ خصوصا أن المدينتين تتمتعان بمستويات معيشة وبنى تحتية وخدمات عامة مرتبطة بالدولة الإسبانية والاتحاد الأوروبي، وهو ما يجعل الفارق الاقتصادي بينهما وبين المناطق المغربية المحيطة جزءا أساسيا من القضية.

ومن هذه الزاوية تظهر التنمية كعامل يمكن أن يكون أكثر أهمية على المدى الطويل من السجال التاريخي.

فإذا أراد المغرب أن يجعل الاندماج معه خيارا جذابا لسكان المدينتين، فإن إحدى الحجج المطروحة هي أن ذلك لا يتحقق بمجرد الاستناد إلى الجغرافيا أو التاريخ، بل يتطلب مزيدا من التنمية والازدهار وتقليص الفوارق الاقتصادية والاجتماعية بين جانبي الحدود، بحسب ما يشير بيتر غولد الباحث والأكاديمي البريطاني المتخصص في دراسة شبه الجزيرة الإيبيرية، والعلاقات الإسبانية-المغربية.

وهو يربط في كتابه الأكاديمي الصادر عن جامعة ليفربول (أوروبا أم أفريقيا) مستقبل المدينتين ليس بالسيادة وحدها وإنما أيضا بالتطور الديموغرافي والفارق في مستويات المعيشة، فكلما تقاربت الظروف الاقتصادية والاجتماعية بين المغرب والجيبين، يمكن أن تتغير طبيعة النقاش نفسه على المدى البعيد، حيث تكتسب إرادة السكان في الأقاليم التي تتمتع بحكم ذاتي وزنا مركزيا لا يمكن تجاوزه.

في مقابلة مع صحيفة "لوموند" الفرنسية يذهب أستاذ العلاقات الدولية ومدير مرصد سبتة ومليلية كارلوس إتشيفيريا خيسوس، أبعد من ذلك واضعا أزمة سبتة في سياق ما وصفه بـ "الطموحات الإقليمية للمغرب"، ويرى أن الضغط الاقتصادي والحدودي والهجرة يمكن أن تستخدم أدوات لإضعاف وضع المدينتين تدريجيا، مستشهدا بأزمات شهدتها العلاقات بين مدريد والرباط.

وتستند هذه القراءة خصوصاً إلى أزمة مايو/أيار 2021، عندما عبر نحو عشرة آلاف شخص إلى سبتة خلال فترة قصيرة بالتزامن مع خلاف دبلوماسي حاد بين البلدين بسبب استقبال إسبانيا زعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي للعلاج.

وقد اعتبر البرلمان الأوروبي حينها استخدام مراقبة الحدود والهجرة، وخصوصا القاصرين، وسيلة ضغط سياسي على دولة عضو أمرا غير مقبول.

الرأي الثالث: السيادة جزء من معادلة أوسع

بين الرأيين تظهر قراءة ثالثة لا تحسم الجدل التاريخي بقدر ما تحاول تفسير ما يحدث اليوم.

وفي تحليل نشرته "مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي" لأزمة عام 2026، تركز الباحثة سارة يركس والباحث أليخاندرو مارتين رودريغيز على الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع الشباب المغربي إلى محاولة الوصول إلى سبتة.

فوجود نسبة كبيرة من المغاربة بين الذين حاولوا العبور يجعل تفسير الظاهرة من خلال السياسة الخارجية باعتبار ما حصل "ضغطا مغربيا" على مدريد غير كاف، فهناك أيضا البطالة وصعوبة الحصول على فرص اقتصادية والشعور بانسداد إمكانات الحراك الاجتماعي، فالفارق في الازدهار بين جانبي الحدود يجعل سبتة ومليلية جذابتين ليس فقط بوصفهما أرضا إسبانية، بل باعتبارهما أيضاً بوابتين مباشرتين إلى الاقتصاد الأوروبي.

فإذا تقلصت الفجوة الاقتصادية بين شمال المغرب والمدينتين الإسبانيتين، هل تتراجع الهجرة؟ وهل تتغير في الوقت نفسه طبيعة الجدل السياسي حولهما؟، وماذا لو كانتا مغربيتين، هل ستبقيان مغريتان للهجرة إليهما؟.

يركز "المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية" (ECFR)، على مفهوم الاعتماد المتبادل بين المغرب وأوروبا، فإسبانيا والاتحاد الأوروبي يحتاجان إلى التعاون المغربي في مراقبة طرق الهجرة ومكافحة شبكات التهريب والتعاون الأمني، بينما يرتبط المغرب بدوره بالسوق الأوروبية والاستثمارات والتجارة والشراكات الاقتصادية.

هذا الاعتماد يمكن أن ينتج تعاونا، لكنه يمكن أيضا أن يتحول في أوقات الأزمات إلى أداة تفاوض وضغط.

وفي تحليله لأزمة 2021، يعتبر المجلس أن المغرب استخدم ملف الهجرة للضغط على مدريد في قضية الصحراء الغربية، بينما يعود للتحذير من هشاشة اعتماد إسبانيا على التعاون المغربي في إدارة الحدود.

لكن هذه العلاقة لا تعني أن ميزان القوى انقلب بين أوروبا والمغرب، ولا أن الرباط أصبحت قادرة على فرض خياراتها على مدريد، فالاتحاد الأوروبي يظل الشريك الاقتصادي والتجاري الأساسي للمغرب، بينما تتمتع إسبانيا بثقل اقتصادي ومؤسساتي أكبر، والأدق هو امتلاك كل طرف أوراقا مختلفة يحتاج إليها الطرف الآخر.

وتقرأ صحيفة فايننشال تايمز العلاقة بين الملك محمد السادس ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز من زاوية مشابهة، فالموقع الجغرافي للمغرب، ودوره في ملف الهجرة، وعلاقاته الأفريقية والعربية والأميركية تمنحه قدرة تفاوضية مهمة في علاقته بمدريد، في وقت تجمع البلدين فيه مصالح تجارية وأمنية متزايدة.

ضغط بلا مطالبة فورية بالسيادة؟

تؤكد صحيفة "لو موند" البعد الذي تتحدث عنه الرباط بين الفينة والأخرى عن استراتيجية مغربية تدريجية تجاه المدينتين، فالمغرب لا يجعل حالياً استعادة سبتة ومليلية محوراً يومياً لدبلوماسيته، كما يفعل مع قضية الصحراء الغربية، لكن تطوير البنى التحتية والموانئ المغربية حولهما يمكن أن يقلص تدريجيا اعتمادهما التاريخي على النشاط الاقتصادي الحدودي.

ويقدم ميناء طنجة المتوسط نموذجاً لهذا التحول، فيما يمكن لميناء الناظور غرب المتوسط أن يؤدي دوراً مشابهاً في محيط مليلية، وبالتالي فإن ازدهار المغرب نفسه يمكن أن يصبح عاملاً أكثر تأثيراً في مستقبل المدينتين من الضغط السياسي المباشر، يمكن أن يجعل المطالبة التاريخية أكثر قابلية للفهم لدى سكان المنطقة.

ومن وجهة النظر الإسبانية، نجاح المدينتين اقتصاديا واجتماعيا وتعزيز تعدديتهما الديمقراطية، والثقافية، يمكن أن يقويا ارتباط سكانهما بإسبانيا.

وتاليا يتحول التنافس من سؤال "لمن الأرض؟" إلى سؤال "أي نموذج اقتصادي واجتماعي يستطيع أن يكون أكثر جاذبية".

في الخلاصة تكشف سبتة ومليلية عن ثلاثة مستويات يصعب دمجها في إجابة واحدة، فهناك أولاً القانون الدولي والواقع السياسي القائم لمدينتين تحت السيادة الإسبانية، وسكانهما مواطنون إسبان، والأمم المتحدة لا تصنفهما ضمن الأقاليم التي تنتظر تصفية الاستعمار.

والتاريخ فالوجود الأوروبي في المدينتين بدأ خلال مرحلة مبكرة من توسع القوى الإيبيرية خارج أوروبا، وهو ما يسمح لعدد من الباحثين بوضعهما داخل تاريخ أطول للعلاقات غير المتكافئة بين أوروبا وأفريقيا، حتى إذا لم يؤد ذلك تلقائيا إلى نتيجة قانونية بشأن السيادة اليوم.

ثم المستقبل، الذي تتداخل فيه عوامل ربما لم تكن موجودة بالقوة نفسها في النقاشات القديمة التي تشمل الهجرة والديموغرافيا والتنمية والتكامل الاقتصادي والهوية المحلية.

ليست سبتة ومليلية اليوم مجرد حصنين عسكريين من عصر الإمبراطوريات، فهما مدينتان يعيش فيهما مجتمعان متعددا الثقافات، مرتبطان سياسياً واقتصادياً بإسبانيا والاتحاد الأوروبي، وفي المقابل، المغرب الذي يحيط بهما يشهد بدوره تحولات اقتصادية وبنى تحتية واسعة ويسعى إلى تعزيز موقعه الاقتصادي في غرب المتوسط.

ولذلك قد يتوقف جزء من مستقبل النقاش على قدرة المغرب على تحقيق مزيد من التنمية والازدهار وتقليص الفجوة مع الضفة الأوروبية، بقدر ما يتوقف على الحجج التاريخية، وعلى الجانب الأوروبي سيتوقف مستقبل هذا النقاش على قدرة إسبانيا على ضمان استمرار ازدهار المدينتين وتماسكهما الاجتماعي وإقناع سكانهما بأن ارتباطهما بالنظام الإسباني والأوروبي يظل الخيار الأفضل بالنسبة إليهم.

وبين التاريخ والجغرافيا وإرادة السكان، يبقى القانون الدولي في الوقت الراهن هو الذي يرسم الحدود القائمة، فيما يبقى مستقبل العلاقة بين ضفتي المتوسط مرتبطا بدرجة كبيرة بما تستطيع كل منهما تقديمه لسكانها من استقرار وفرص وازدهار لمدينتين تبدوان كمختبر صغير لسؤال أكبر عن شكل العلاقة المستقبلية بين أوروبا وأفريقيا، مع عدم اختزال حركة الأفارقة نحو أوروبا في مسألة مراقبة الحدود؛ إذ ينبغي النظر أيضا إلى القرون الطويلة التي تشكلت خلالها علاقات القوة والثروة بين القارتين.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

ابق على اطلاع دائم بالأخبار الدولية أينما كنت. حمل تطبيق مونت كارلو الدولية

شارك :