مسجد باريس الكبير: احتفال بمئة عام من الإشعاع الديني والثقافي للإسلام في فرنسا
نشرت في:
يحتفل مسجد باريس الكبير بذكرى مرور مئة عام على تأسيسه. هذا الصرح أُنشئ تكريمًا للجنود المسلمين الذين ماتوا دفاعا عن فرنسا حيث ظل هذا المبنى على مدى قرن منارة دينية وثقافية ، وكذلك سياسية تعمل على تقارب فرنسا مع مستعمراتها السابقة وعلى تقارب مؤسسات الدولة الفرنسية مع الإسلام والمسلمين
تعود فكرة إنشاء مؤسسة إسلامية في باريس إلى منتصف القرن التاسع عشر، فبعد عدة محاولات، قررت الحكومة الفرنسية تبني المشروع رسميًا في ديسمبر/كانون الأول 1916، في خضم الحرب العالمية الأولى، حين كانت فرنسا تعتمد على أعداد كبيرة من الجنود المسلمين الذين مات منهم نحو 100 ألف ولا سيما في معركة فردان، التي عُرفت بـ«معركة مصير فرنسا»
كان لا بد من تكريم هؤلاء الجنود الذين اقتُلعوا من أوطانهم وجاءوا من الجزائر والمغرب ، تونس السنغال ودول افريقية أخرى للمشاركة في الحرب، فجاء مشروع بناء مسجد في باريس ليجسد اعتراف الجمهورية الفرنسية بتضحياتهم، وليعزز الروابط بين فرنسا والشعوب المسلمة
في هذا السياق، تأسست جمعية الأوقاف والأماكن المقدسة الإسلامية في فبراير/شباط 1917، وهي الهيئة التي لا تزال تشرف على إدارة شؤون المسجد الكبير في باريس حتى اليوم. وقد أُعلنت الجمعية في الجزائر، وكان الهدف الأول من إنشائها تنظيم الحج إلى مكة للمسلمين القادمين من شمال إفريقيا. وبعد نجاحها أُوكلت إليها مسؤولية الإشراف على تشييد المسجد وإدارته.
في وسط باريس بالحي اللاتيني قرب السوربون ونهر السين الرئيس الفرنسي غاستون دوميرغ، برفقة السلطان المغربي مولاي يوسف وعدة شخصيات من العالم الإسلامي شيدت، أول مسجد كبير في فرنسا، وهو المسجد الكبير بباريس، في 15 يوليو/تموز 1926.
مسجد باريس الكبير حمى الأطفال والعائلات اليهودية من المحرقة
لم يقتصر دور مسجد باريس الكبير في باريس على رمزيه التاريخية، بل أصبح أيضًا أداةً سياسية في خدمة فرنسا الاستعمارية، حيث سعت السلطات إلى إيجاد جهة رسمية تمثل الإسلام. ومن ثمّ، أصبح المسجد فضاءً يلتقي فيه المسؤولون الفرنسيون، والدبلوماسيون الأجانب، وممثلو المؤسسات الدينية
أول عميد للمسجد، الجزائري سي قدور بن غبريط، رجل دين ودبلوماسي سابق عمل مع الإدارة الفرنسية في شمال إفريقيا، كان من أبرز الشخصيات التي اضطلعت بهذا الدور. خلال الاحتلال الألماني لفرنسا، المسجد الكبير في باريس قام بحماية الأطفال والعائلات اليهودية والعميد بن غبريط، أصدر شهادات مزورة تثبت انتماء أصحابها إلى الديانة الإسلامية، مما مكّن بعضهم من الإفلات من إجراءات التفتيش والترحيل نحو المحارق. وهذه الصفحة من التاريخ الفرنسي المنسية جسدها المخرج إسماعيل فروخي في فيلم عام 2011 اسمه الرجال الأحرار.
المسجد الكبير في باريس لايزال يحتفظ حتى اليوم بمكانة سياسية مهمة، إذ يُعد أحد أبرز المحاورين للسلطات الفرنسية في القضايا المتعلقة بتنظيم شؤون الإسلام في فرنسا. كما أن علاقاته التاريخية مع الجزائر، تثير نقاشات سياسية مستمرة.
الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم
اشترك