المغرب أمام اختبار إشراك "جيل زد" في الحياة العامة.. رهان جذب الشارع إلى صناديق الاقتراع
قبل أشهر، شهدت المغرب حراكا شبابيا غير مسبوق، آلاف اجتاحوا الطرقات احتجاجا وللمطالبة بتحسين الصحة والتعليم وفرص العمل. واليوم، على أعتاب الانتخابات التشريعية، تحاول الأحزاب السياسية إقناع الجيل نفسه بأن التغيير يمكن أن يبدأ من صندوق الاقتراع، فهل ستتمكن "المؤسسة" من إقناع الشباب بجدوى المشاركة؟
نشرت في:
مع اقتراب الانتخابات التشريعية المقررة في 23 من الشهر الجاري، تحول الشباب في المغرب إلى أحد أبرز رهانات الحملة الانتخابية للأحزاب، بعدما كشفت احتجاجات جيل زد 212 عن فجوة متزايدة بين الجيل الجديد والمؤسسات السياسية التقليدية.
وتسعى الأحزاب إلى مخاطبة هذه الفئة بلغة مختلفة عن الحملات السابقة. فقد وضع التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة العمل في مقدمة وعودهما، مع تعهد بتوفير نحو مليون فرصة عمل خلال الولاية المقبلة، إلى جانب وعود في مجالات السكن والتعليم والصحة والقدرة الشرائية.
كما تحاول الأحزاب تقديم مرشحين أصغر سنا واستخدام منصات التواصل الاجتماعي للوصول إلى الناخبين الشباب.
اقرأ أيضاالانتخابات التشريعية في المغرب: عزوف الشباب يثير التساؤلات قبل اقتراع 23 سبتمبر
إلا أن المشكلة التي تواجهها الأحزاب أعمق من مجرد ضعف حضور الشباب في الحملات الانتخابية. فالشباب المغربي لم يثبت خلال احتجاجات العام الماضي أنه غير مهتم بالسياسة، على العكس، أظهر قدرة على التعبئة خارج الأطر الحزبية (باستخدام منصات مثل ديسكورد ووسائل التواصل الاجتماعي الأخرى) للتعبير عن مطالب سياسية بامتياز. القدرة على التنسيق وطرح المطالب بتلك الطريقة قدمت نموذجا يختلف عن التنظيم السياسي التقليدي القائم على الأحزاب والشبيبات والنقابات.
وتكشف أرقام التسجيل الانتخابي حجم المفارقة. فرغم أن الفئة العمرية بين 18 و24 عاما تشكل نحو 12% من سكان المغرب، فإنها لا تمثل سوى نسبة محدودة من الناخبين المسجلين. وأظهر استطلاع "أفروباروميتر" نُشر في آذار/مارس 2026 أن نحو ثلث الشباب فقط يقولون إنهم يثقون في البرلمان أو الحكومة أو الأحزاب السياسية. كما أن الشباب أكثر ميلا من الفئات الأكبر سنا إلى الاعتقاد بوجود فساد بين البرلمانيين والمسؤولين المحليين.
الشباب مهتمون بالسياسة لا بالانتخابات
ويقول باحثون إن هذه الأرقام لا تعني بالضرورة أن الشباب غير مكترث بالشأن العام، بل قد تعكس فقدان الثقة في قدرة الانتخابات على إحداث تغيير ملموس في حياتهم اليومية.
وقد دفعت هذه الأزمة السلطات إلى اتخاذ خطوات لتشجيع المشاركة الشبابية، من بينها حوافز مالية للمرشحين الذين تقل أعمارهم عن 35 عاما، وتسهيل شروط ترشح الشباب المستقلين. وتستهدف الإجراءات زيادة حضور جيل جديد داخل المؤسسات، وليس فقط رفع نسبة مشاركته في التصويت.
وعلى الرغم من "النموذج التنموي الجديد"، الخطة الاقتصادية التي وضعتها المملكة قبل نحو خمسة أعوام وتهدف إلى مضاعفة نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، إلا أن ما تحقق لم يتخط عتبة الطموحات حتى الآن.
اقرأ أيضااحتجاجات "جيل زد 212": محاولات الوزراء لفتح الحوار من داخل المؤسسات باءت بالفشل
كما أن المملكة شهدت تدفقات استثمارية بمليارات الدولارات إلى قطاعات مثل الموانئ العميقة والفوسفات والطاقة الخضراء وخطوط السكك الحديدية، لكن هذه الإنجازات لم تنعكس في كثير من الأحيان على مستوى الرضا العام لدى الشعب.
وتبلغ البطالة بين الشباب نحو 27%، فيما تشير الإحصاءات الرسمية إلى أن واحدا من كل ثلاثة شبان مغاربة لا يعمل ولا يدرس ولا يتلقى أي تدريب.
مسؤولية الأحزاب
وتتحمل الأحزاب نفسها جزءا من مسؤولية أزمة الثقة مع تلك الفئة. فخلال الولاية المنتهية، ارتبط أداء الحكومة بملفات أثرت مباشرة في حياة الشباب والأسر، من ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، إلى البطالة وجودة الخدمات العمومية. وبلغ الجدل ذروته حول المحروقات، فيما استمر النقاش حول تضارب المصالح والصفقات العمومية.
هذه الممارسات عززت الانطباع لدى جزء من الشباب بأن الأحزاب تركز على المواقع والانتخابات أكثر مما تركز على بناء مشاريع سياسية طويلة المدى. ويضاف إلى ذلك أن أحزاب الأغلبية نفسها لم تكن دائما منسجمة في تدبير الملفات، فقد ظهرت خلافات علنية بين مكوناتها حول قضايا اقتصادية ومهنية، ما غذى صورة التحالف باعتباره ائتلاف مصالح انتخابية أكثر منه مشروعا سياسيا موحدا.
مساعي الأحزاب لجذب الشباب.. هل تنجح؟
تحاول الأحزاب الآن معالجة هذه الصورة. فالأصالة والمعاصرة يتحدث عن "الشغل اللائق"، رافضا تحميل الشباب مسؤولية البطالة أو تصويرهم كجيل يرفض العمل، بينما يركز التجمع الوطني للأحرار على التشغيل والتمكين الاقتصادي وتجديد النخب.
لكن هل يعني إدخال الشباب إلى مناصب الأحزاب القيادية تجديد للعمل السياسي؟
اقرأ أيضاحركة "جيل زد 212" تعلن تعليق الاحتجاجات في المغرب.. خطوة استراتيجية بعد الخطاب الملكي؟
الشاب الذي ينضم إلى حزب أو يترشح باسمه لا يصبح تلقائيا ممثلا لجيل "زد"، التحدي الحقيقي أمام الأحزاب هو ما إذا كانت مستعدة لمنح هؤلاء الشباب مساحة فعلية لصياغة السياسات واتخاذ القرار، وليس الاكتفاء باستخدامهم في الحملات الانتخابية أو على منصات التواصل الاجتماعي.
كما تتحمل السلطة بدورها مسؤولية أوسع تتعلق بفعالية المؤسسات المنتخبة. فكلما شعر المواطن بأن القرارات الأساسية تُتخذ خارج المجال الانتخابي، تراجعت الحوافز التي تدفعه إلى اعتبار الانتخابات وسيلة مؤثرة لتغيير السياسات.
وهذه هي النقطة التي تجعل عزوف الشباب مسألة تتجاوز الانتخابات نفسها. فالمشاركة لا تُبنى بالدعوة إلى التصويت وحدها، وإنما عبر شعور المواطن بأن صوته قادر فعلا على التأثير بالمسار العام وآليات القرار، وأن الحكومة والأحزاب والمؤسسات خاضعة وقابلة للمساءلة.
مسؤولية مشتركة
لذلك سيكون اختبار 23 أيلول/سبتمبر مزدوجا. فمن جهة، ستُقاس قدرة الأحزاب على الوصول إلى الشباب وإقناعهم بالمشاركة، ومن جهة أخرى ستكشف الانتخابات ما إذا كانت الإجراءات التي اتخذتها الدولة لتشجيع التمثيل الشبابي قادرة على تحويل هذا الجيل من قوة احتجاجية خارج المؤسسات إلى قوة سياسية داخلها.
غير أن الأرقام المتاحة اليوم تقدّم إجابة مبكرة لا تبعث على التفاؤل: ففيما كانت فئة 18-24 سنة تمثل نحو 8% من الهيئة الناخبة في لوائح 2021، تراجعت هذه النسبة إلى 4% فقط في لوائح 2026 وفق معطيات وزارة الداخلية، أي أن حضور هذه الفئة في اللوائح الانتخابية تقلّص إلى النصف تقريباً خلال خمس سنوات - وذلك في الوقت الذي كانت فيه احتجاجات "جيل زد 212" تعبّر عن حضور شبابي غير مسبوق خارج أسوار المؤسسات. بعبارة أخرى: الإجراءات التحفيزية التي اتخذتها السلطات، من الدعم المالي لمرشحي أقل من 35 سنة إلى تسهيل ترشح المستقلين الشباب، لم تترجم بعد إلى أثر ملموس على لوائح الناخبين، رغم أنها جاءت بعد أشهر قليلة من موجة الاحتجاج مباشرة.
هذا لا يعني حكماً مسبقاً بفشل هذه الإجراءات، فأثرها الحقيقي لن يظهر إلا يوم الاقتراع نفسه: هل سيصوّت من سجّلوا من الشباب فعلاً؟ وهل سيحصل المرشحون الشباب الجدد على مقاعد تعكس وزنهم الرمزي في النقاش العام، لا مجرد حضورهم على اللوائح؟ لكنها تعني أن المسافة بين خطاب الأحزاب الموجّه إلى "جيل زد" وواقع تسجيله الانتخابي لا تزال شاسعة، وأن رهان تحويل الشارع إلى صندوق الاقتراع ما يزال في بداياته الفعلية، لا في خواتيمه.
الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم
اشترك