أردوغان يستقبل البرهان في أنقرة.. لماذا الآن؟

في توقيت تُحاول فيه مبادرات دولية انتزاع "هدنة إنسانية" تمهّد لوقف نار أطول في السودان، اختار قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان أن يطرق باب أنقرة من جديد، ووفق بيان الرئاسة التركية "أشار الرئيس أردوغان إلى أنّ التعاون سيتعزّز في التجارة والزراعة والصناعات الدفاعية والتعدين"، ولم تنشر تفاصيل أخرى عن هذا الاجتماع باستثناء صورتين للزعيمين في المكتب الرئاسي.

أردوغان أقام استقبالا رسميا للبرهان.
أردوغان أقام استقبالا رسميا للبرهان © @tcbestepe_ar
إعلان

الاستقبال الرئاسي الذي خصّ به رجب طيب أردوغان البرهان والحديث عن "الصناعات الدفاعية" و"التعدين" أوحت بأن الزيارة ليست بروتوكولية، حيث بات البرهان يبحث عن سند سياسي وعسكري في حربٍ استنزافية، بينما ترى أنقرة في السودان فرصة لتوسيع نفوذها في شرق أفريقيا وعلى شواطئ البحر الأحمر.

لماذا الآن؟

تأتي الزيارة بينما تضغط واشنطن وشركاء "الرباعية" (الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات) باتجاه وقف أعمال القتال مع اقتراب العام الجديد، باعتباره مدخلاً عاجلاً لتسهيل وصول المساعدات.

ودون مؤشرات على قبولٍ سريع من الطرفين بتسوية سياسية شاملة، وفي ظل تقدم قوات الدعم السريع على عدد من الجبهات، يحتاج البرهان إلى روافع خارجية تُحصّنه على طاولة التفاوض وتمنحه هامش مناورة، خصوصا أن مبادرة رئيس الوزراء لم تلق آذانا صاغية في الأمم المتحدة (حتى الآن)، وبالنسبة للبرهان فالرجل يحاول إرسال رسالة إلى الخصوم والوسطاء على حد سواء بأن الجيش لا يقف وحيداً، فيما سيعزز الدعم العسكري التركي الذي تحدث عنه أردوغان قدرة قوات البرهان على صد اندفاعة قوات الدعم السريع.

لم يخف أردوغان أن التعاون سيشمل "الصناعات الدفاعية"، وفي الحالة السودانية هذا يعني تفاقم لحرب المُسيّرات، وسط تقارير ربطت بين تقدّم الجيش السوداني جزئياً قبل أسابيع وبين حصوله على مسيّرات تركية من طراز "بيرقدار"، ووسط جدل بشأن أثر هذا النوع من السلاح على وتيرة القتال والخسائر المدنية.

لكن بكل الأحوال بالنسبة لأنقرة فإن التعامل مع ملف السودان لن يخرج عن نموذجها الذي بات يصبغ سياساتها الخارجية من خلال تصدير الأسلحة كأداة نفوذ، ثم بناء شراكات تدريب وصيانة وذخائر تُحوّل العلاقة إلى ارتباط طويل الأمد كما هو حاصل في ليبيا وسوريا (...).

أما إدراج "التعدين" صراحةً في بيان الرئاسة التركية يعني أن أنقرة تسعى لتحقيق فرص استثمار وتوريد، وتأمين موطئ قدم في سوقٍ أفريقي كبير يرتبط جغرافياً بممرات التجارة في البحر الأحمر، وبالحديث عن البحر الأحمر يجدر ذكر أن تفاهمات تركية-سودانية حول مواقع ساحلية مثل (سواكن) كانت وُقّعت على مدى السنوات السابقة وتم تجميدها في مراحل سياسية، بينما تجعل الحرب الحالية الحديث عن الشراكات على البحر محمّلاً بحسابات تنافس إقليمي ودولي على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.

رغم تأكيد أنقرة دعمها لجهود السلام في السودان، فإن تحرّكها الفعلي يكشف مسارا موازياً وأحياناً متعارضاً مع مقاربة "الرباعية" الدولية، فبينما تركز الولايات المتحدة وشركاؤها على فرض هدنة إنسانية كمدخل لعملية سياسية شاملة، تبدو تركيا منشغلة بتكريس وقائع ميدانية عبر دعم عسكري مباشر للجيش السوداني، لكن في حين تتقاطع المصالح التركية جزئياً مع السعودية ومصر في منع انهيار الدولة السودانية، فإن التنافس الصامت مع الإمارات على النفوذ في القرن الأفريقي والبحر الأحمر يُلقي بظلاله الشديدة على المشهد، ويحوّل السودان إلى ساحة تجاذب إقليمي إضافية، فيما ينتظر الجميع الضغط الأمريكي الفعّال لوقف الحرب رغم ضيق خياراتها وعدم فعالية عقوباتها على الطرفين.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

ابق على اطلاع دائم بالأخبار الدولية أينما كنت. حمل تطبيق مونت كارلو الدولية

شارك :